< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah030
Ar-Room (30)
The Romans, makkah, 60 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
وأمّا السُّوءى لِلْمُسِيءِ عَدْلٌ، والعادِلُ إذا لَمْ يَكُنْ تَعْذِيبُهُ لِسَبَبٍ لا يَكُونُ عَدْلًا، فَذَكَرَ السَّبَبَ في التَّعْذِيبِ وهو الإصْرارُ عَلى التَّكْذِيبِ، ولَمْ يَذْكُرِ السَّبَبَ في الثَّوابِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾لَمّا ذَكَرَ أنَّ عاقِبَتَهم إلى الجَحِيمِ، وكانَ في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى الإعادَةِ والحَشْرِ لَمْ يَتْرُكْهُ دَعْوًى بِلا بَيِّنَةٍ فَقالَ يَبْدَأُ الخَلْقَ، يَعْنِي مَن خَلَقَ بِالقُدْرَةِ والإرادَةِ لا يَعْجِزُ عَنِ الرَّجْعَةِ والإعادَةِ، فَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ، ثُمَّ بَيَّنَ ما يَكُونُ وقْتَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ فَقالَ:
﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ﴾
فِي ذَلِكَ اليَوْمِ يَتَبَيَّنُ إفْلاسُهم ويَتَحَقَّقُ إبْلاسُهم، والإبْلاسُ يَأْسٌ مَعَ حَيْرَةٍ، يَعْنِي يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَكُونُ لِلْمُجْرِمِ يَأْسٌ مُحَيِّرٌ لا يَأْسٌ هو إحْدى الرّاحَتَيْنِ، وهَذا لِأنَّ الطَّمَعَ إذا انْقَطَعَ بِاليَأْسِ فَإذا كانَ المَرْجُوُّ أمْرًا غَيْرَ
صفحة ٩٠
ضَرُورِيٍّ يَسْتَرِيحُ الطّامِعُ مِنَ الِانْتِظارِ وإنْ كانَ ضَرُورِيًّا بِالإبْقاءِ لَهُ بوونه يَنْفَطِرُ فُؤادُهُ أشَدَّ انْفِطارٍ، ومِثْلُ هَذا اليَأْسِ هو الإبْلاسُ، ولِنُبَيِّنَ حالَ المُجْرِمِ وإبْلاسَهُ بِمِثالٍ، وهو أنْ نَقُولَ: مَثَلُهُ مَثَلُ مَن يَكُونُ في بُسْتانٍ وحَوالَيْهِ المَلاعِبُ والمَلاهِي، ولَدَيْهِ ما يَفْتَخِرُ بِهِ ويُباهِي، فَيُخْبِرُهُ صادِقٌ بِمَجِيءِ عَدُوٍّ لا يَرُدُّهُ رادٌّ، ولا يَصُدُّهُ صادٌّ، إذا جاءَهُ لا يُبْلِعُهُ رِيقًا، ولا يَتْرُكُ لَهُ إلى الخَلاصِ طَرِيقًا، فَيَتَحَتَّمُ عَلَيْهِ الِاشْتِغالُ بِسُلُوكِ طَرِيقِ الخَلاصِ، فَيَقُولُ لَهُ طِفْلٌ أوْ مَجْنُونٌ إنَّ هَذِهِ الشَّجَرَةَ الَّتِي أنْتَ تَحْتَها لَها مِنَ الخَواصِّ دَفْعُ الأعادِي عَمَّنْ يَكُونُ تَحْتَها، فَيُقْبِلُ ذَلِكَ الغافِلُ عَلى اسْتِيفائِهِ مَلاذَهُ مُعْتَمِدًا عَلى الشَّجَرَةِ بِقَوْلِ ذَلِكَ الصَّبِيِّ فَيَجِيئُهُ العَدُوُّ ويُحِيطُ بِهِ، فَأوَّلُ ما يُرِيهِ مِنَ الأهْوالِ قَلْعُ تِلْكَ الشَّجَرَةِ فَيَبْقى مُتَحَيِّرًا آيِسًا مُفْتَقِرًا، فَكَذَلِكَ المُجْرِمُ في دارِ الدُّنْيا أقْبَلَ عَلى اسْتِيفاءِ اللَّذّاتِ وأخْبَرَهُ النَّبِيُّ الصّادِقُ بِأنَّ اللَّهَ يَجْزِيهِ، ويَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ، فَقالَ لَهُ الشَّيْطانُ والنَّفْسُ الأمّارَةُ بِالسُّوءِ: إنَّ هَذِهِ الأخْشابَ الَّتِي هي الأوْثانُ دافِعَةٌ عَنْكِ كُلَّ بَأْسٍ، وشافِعَةٌ لَكَ عِنْدَ خُمُودِ الحَواسِّ، فاشْتَغَلَ بِما هو فِيهِ واسْتَمَرَّ عَلى غَيِّهِ حَتّى إذا جاءَتْهُ الطّامَّةُ الكُبْرى، فَأوَّلُ ما أرَتْهُ إلْقاءُ الأصْنامِ في النّارِ، فَلا يَجِدُ إلى الخَلاصِ مِن طَرِيقٍ، ويَحِقُّ عَلَيْهِ عَذابُ الحَرِيقِ، فَيَيْأسُ حِينَئِذٍ أيَّ إياسٍ، ويُبْلِسُ أشَدَّ إبْلاسٍ. وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ﴾ يَعْنِي يَكْفُرُونَ بِهِمْ ذَلِكَ اليَوْمَ.
﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ثُمَّ بَيَّنَ أمْرًا آخَرَ يَكُونُ في ذَلِكَ اليَوْمِ وهو الِافْتِراقُ كَما قالَ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾[يس: ٥٩] فَكَأنَّ هَذِهِ الحالَةَ مُتَرَتِّبَةٌ عَلى الإبْلاسِ، فَكَأنَّهُ أوَّلًا يُبْلَسُ ثُمَّ يُمَيَّزُ ويُجْعَلُ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ، وأعادَ قَوْلَهُ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ لِأنَّ قِيامَ السّاعَةِ أمْرٌ هائِلٌ فَكَرَّرَهُ تَأْكِيدًا لِلتَّخْوِيفِ، ومِنهُ اعْتادَ الخُطَباءُ تَكْرِيرَ يَوْمِ القِيامَةِ في الخُطَبِ لِتَذْكِيرِ أهْوالِهِ.
ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ التَّفَرُّقِ فَقالَ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ أيْ في جَنَّةٍ يُسَرُّونَ بِكُلِّ مَسَرَّةٍ ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ .
يَعْنِي لا غِيبَةَ لَهم عَنْهُ ولا فُتُورَ لَهُ عَنْهم كَما قالَ تَعالى: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾[الحَجِّ: ٢٢] وقالَ: ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾