< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


قالَ تَعالى:﴿وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ يَعْنِي سَيَغْلِبُونَ وعَدَهُمُ اللَّهُ وعْدًا ووَعْدُ اللَّهِ لا خُلْفَ فِيهِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ لا يَعْلَمُونَ وعْدَهُ وأنَّهُ لا خُلْفَ في وعْدِهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ يَعْنِي عِلْمُهم مُنْحَصِرٌ في الدُّنْيا وأيْضًا لا يَعْلَمُونَ الدُّنْيا كَما هي، وإنَّما يَعْلَمُونَ ظاهِرَها وهي مَلاذُها ومَلاعِبُها، ولا يَعْلَمُونَ باطِنَها وهي مَضارُّها ومَتاعِبُها ويَعْلَمُونَ وُجُودَها الظّاهِرَ، ولا يَعْلَمُونَ فَناءَها ﴿وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾ والمَعْنى هم عَنِ الآخِرَةِ غافِلُونَ، وذُكِرَتْ هُمُ الثّانِيَةُ لِتُفِيدَ أنَّ الغَفْلَةَ مِنهم، وإلّا فَأسْبابُ التَّذَكُّرِ حاصِلَةٌ وهَذا كَما يَقُولُ القائِلُ لِغَيْرِهِ: غَفَلْتُ عَنْ أمْرِي، فَإذا قالَ هو: شَغَلَنِي فُلانٌ، فَيَقُولُ: ما شَغَلَكَ ولَكِنْ أنْتَ اشْتَغَلْتَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ﴾ لَمّا صَدَرَ مِنَ الكُفّارِ الإنْكارَ بِاللَّهِ عِنْدَ إنْكارِ وعْدِ اللَّهِ وعَدَمِ الخُلْفِ فِيهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ والإنْكارُ بِالحَشْرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾ بَيَّنَ أنَّ الغَفْلَةَ وعَدَمَ العِلْمِ مِنهم بِتَقْدِيرِ اللَّهِ، وإلّا فَأسْبابُ التَّذَكُّرِ حاصِلَةٌ وهو [ أنَّ ] أنْفُسَهم لَوْ تَفَكَّرُوا فِيها لَعَلِمُوا وحْدانِيَّةَ اللَّهِ وصَدَّقُوا بِالحَشْرِ، أمّا الوَحْدانِيَّةُ فَلِأنَّ اللَّهَ خَلَقَهم عَلى

صفحة ٨٧

أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ولْنَذْكُرْ مِن حُسْنِ خَلْقِهِمْ جُزْأً مِن ألْفِ ألْفِ جُزْءٍ، وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ لِلْإنْسانِ مَعِدَةً فِيها يَنْهَضِمُ غِذاؤُهُ لِتَقْوى بِهِ أعْضاؤُهُ ولَها مَنفَذانِ أحَدُهُما لِدُخُولِ الطَّعامِ فِيهِ، والآخَرُ لِخُرُوجِ الطَّعامِ مِنهُ، فَإذا دَخَلَ الطَّعامُ فِيها انْطَبَقَ المَنفَذُ الآخَرُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، بِحَيْثُ لا يَخْرُجُ مِنهُ ذَرَّةٌ ولا بِالرَّشْحِ، وتُمْسِكُهُ الماسِكَةُ إلى أنْ يَنْضَجَ نُضْجًا صالِحًا، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ المَنفَذِ الآخَرِ، وخَلَقَ تَحْتَ المَعِدَةِ عُرُوقًا دِقاقًا صِلابًا كالمِصْفاةِ الَّتِي يُصَفّى بِها الشَّيْءُ فَيَنْزِلُ مِنها الصّافِي إلى الكَبِدِ، ويَنْصَبُّ الثُّفْلُ إلى مِعًى مَخْلُوقٍ تَحْتَ المَعِدَةِ مُسْتَقِيمٍ مُتَوَجِّهًا إلى الخُرُوجِ، وما يَدْخُلُ في الكَبِدِ مِنَ العُرُوقِ المَذْكُورَةِ يُسَمّى الماسارِيقا بِالعِبْرِيَّةِ، والعِبْرِيَّةُ عَرَبِيَّةٌ مَفْسُودَةٌ في الأكْثَرِ، يُقالُ لِمُوسى مِيشا ولِلْإلَهِ إيلْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فالماسارِيقا مَعْناها ماسارِيقُ اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الكَبِدُ وأنْضَجَهُ نُضْجًا آخَرَ، ويَكُونُ مَعَ الغِذاءِ المُتَوَجِّهِ مِنَ المَعِدَةِ إلى الكَبِدِ فَضْلُ ماءٍ مَشْرُوبٍ لِيُرَقَّقَ ويَنْذَرِقَ في العُرُوقِ الدِّقاقِ المَذْكُورَةِ، وفي الكَبِدِ يَسْتَغْنِي عَنْ ذَلِكَ الماءِ فَيَتَمَيَّزُ عَنْهُ ذَلِكَ الماءُ ويَنْصَبُّ مِن جانِبِ حَدَبَةِ الكَبِدِ إلى الكُلْيَةِ ومَعَهُ دَمٌ يَسِيرٌ تَغْتَذِي بِهِ الكُلْيَةُ وغَيْرُها، ويَخْرُجُ الدَّمُ الخالِصُ مِنَ الكَبِدِ في عِرْقٍ كَبِيرٍ، ثُمَّ يَتَشَعَّبُ ذَلِكَ النَّهْرُ إلى جَداوِلَ، والجَداوِلُ إلى سَواقٍ، والسَّواقِي إلى رَواضِعَ ويَصِلُ فِيها إلى جَمِيعِ البَدَنِ، فَهَذِهِ حِكْمَةٌ واحِدَةٌ في خَلْقِ الإنْسانِ، وهَذِهِ كِفايَةٌ في مَعْرِفَةِ كَوْنِ اللَّهِ فاعِلًا مُخْتارًا قادِرًا كامِلًا عالِمًا شامِلًا عِلْمُهُ، ومَن يَكُونُ كَذَلِكَ يَكُونُ واحِدًا وإلّا لَكانَ عاجِزًا عِنْدَ إرادَةِ شَرِيكِهِ ضِدَّ ما أرادَهُ.

وأمّا دَلالَةُ الإنْسانِ عَلى الحَشْرِ فَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ إذا تَفَكَّرَ في نَفْسِهِ يَرى قُواهُ صائِرَةً إلى الزَّوالِ، وأجْزاءَهُ مائِلَةً إلى الِانْحِلالِ فَلَهُ فَناءٌ ضَرُورِيٌّ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَياةٌ أُخْرى لَكانَ خَلْقُهُ عَلى هَذا الوَجْهِ لِلْفَناءِ عَبَثًا، وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا﴾[المؤمنون: ١١٥]وهَذا ظاهِرٌ؛ لِأنَّ مَن يَفْعَلُ شَيْئًا لِلْعَبَثِ فَلَوْ بالَغَ في إحْكامِهِ وإتْقانِهِ يَضْحَكُ مِنهُ، فَإذا خَلَقَهُ لِلْبَقاءِ ولا بَقاءَ دُونَ اللِّقاءِ فالآخِرَةُ