< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


لِأنَّ أصْلَ المَرْءِ قَلْبُهُ ولِسانُهُ، فَإذا لَمْ يُوجَدْ مِنهُما إلّا التَّوْحِيدُ يَزُولُ الشِّرْكُ البَدَنِيُّ بِسَبَبِهِما، وقَوْلُهُ تَعالى:﴿لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ قَدْ ذَكَرْنا أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ تَمامَ جَزائِهِمْ وكُلَّ مُوجِبِ افْتِرائِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ يَعْنِي كَما يَفْعَلُهُ المُتَوَقِّعُ رُجُوعَهم مَعَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أنَّ مَن أضَلَّهُ لا يَرْجِعُ، لَكِنَّ النّاسَ يَظُنُّونَ أنَّهُ لَوْ فُعِلَ بِهِمْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ لَكانَ يُوجَدُ مِنهُمُ الرُّجُوعُ، كَما أنَّ السَّيِّدَ إذا عَلِمَ مِن عَبْدِهِ أنَّهُ لا يَرْتَدِعُ بِالكَلامِ، فَيَقُولُ القائِلُ لِماذا لا تُؤَدِّبُهُ بِالكَلامِ ؟ فَإذا قالَ لا يَنْفَعُ، رُبَّما يَقَعُ في وهْمِهِ أنَّهُ لا يَبْعُدُ عَنْ نَفْعٍ، فَإذا زَجَرَهُ ولَمْ يَرْتَدِعْ يَظْهَرُ لَهُ صِدْقُ كَلامِ السَّيِّدِ ويَطْمَئِنُّ قَلْبُهُ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كانَ أكْثَرُهم مُشْرِكِينَ﴾

لَمّا بَيَّنَ حالَهم بِظُهُورِ الفَسادِ في أحْوالِهِمْ بِسَبَبِ فَسادِ أقْوالِهِمْ بَيَّنَ لَهم هَلاكَ أمْثالِهِمْ وأشْكالِهِمُ الَّذِينَ

صفحة ١١٣

كانَتْ أفْعالُهم كَأفْعالِهِمْ فَقالَ: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ قَوْمَ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ، وهَذا تَرْتِيبٌ في غايَةِ الحُسْنِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ في وقْتِ الِامْتِنانِ والإحْسانِ قالَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ أيْ آتاكُمُ الوُجُودَ ثُمَّ البَقاءَ، ووَقْتَ الخِذْلانِ بِالطُّغْيانِ قالَ: ﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ﴾ أيْ قَلَّلَ رِزْقَكم، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سِيرُوا في الأرْضِ﴾ أيْ هو أعْدَمَكم كَما أعْدَمَ مَن قَبْلَكم، فَكَأنَّهُ قالَ أعْطاكُمُ الوُجُودَ والبَقاءَ، ويَسْلُبُ مِنكُمُ الوُجُودَ والبَقاءَ، وأمّا سَلْبُ البَقاءِ فَبِإظْهارِ الفَسادِ، وأمّا سَلْبُ الوُجُودِ فَبِالإهْلاكِ، وعِنْدَ الإعْطاءِ قَدَّمَ الوُجُودَ عَلى البَقاءِ؛ لِأنَّ الوُجُودَ أوَّلًا ثُمَّ البَقاءَ، وعِنْدَ السَّلْبِ قَدَّمَ البَقاءَ، وهو الِاسْتِمْرارُ ثُمَّ الوُجُودُ.

وقَوْلُهُ: ﴿كانَ أكْثَرُهم مُشْرِكِينَ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا ثَلاثَةً:

أحَدُها: أنَّ الهَلاكَ في الأكْثَرِ كانَ بِسَبَبِ الشِّرْكِ الظّاهِرِ وإنْ كانَ بِغَيْرِهِ أيْضًا كالإهْلاكِ بِالفِسْقِ والمُخالَفَةِ كَما كانَ عَلى أصْحابِ السَّبْتِ.

الثّانِي: أنَّ كُلَّ كافِرٍ أُهْلِكَ لَمْ يَكُنْ مُشْرِكًا بَلْ مِنهم مَن كانَ مُعَطِّلًا نافِيًا لَكِنَّهم قَلِيلُونَ، وأكْثَرُ الكُفّارِ مُشْرِكُونَ.

الثّالِثُ: أنَّ العَذابَ العاجِلَ لَمْ يَخْتَصَّ بِالمُشْرِكِينَ حِينَ أتى، كَما قالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾[الأنفال: ٢٥] بَلْ كانَ عَلى الصِّغارِ والمَجانِينَ، ولَكِنَّ أكْثَرَهم كانُوا مُشْرِكِينَ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ومَن عَمِلَ صالِحًا فَلِأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾

لَمّا نَهى الكافِرَ عَمّا هو عَلَيْهِ، أمَرَ المُؤْمِنَ بِما هو عَلَيْهِ وخاطَبَ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِيَعْلَمَ المُؤْمِنُ فَضِيلَةَ ما هو مُكَلَّفٌ بِهِ، فَإنَّهُ أمَرَ بِهِ أشْرَفَ الأنْبِياءِ، ولِلْمُؤْمِنِينَ في التَّكْلِيفِ مَقامُ الأنْبِياءِ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إنَّ اللَّهَ أمَرَ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ بِما أمَرَ بِهِ عِبادَهُ المُرْسَلِينَ» “ وقَدْ ذَكَرْنا مَعْناهُ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿يَأْتِيَ﴾

والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ ﴿لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ اللَّهُ لا يَرُدُّ وغَيْرُهُ عاجِزٌ عَنْ رَدِّهِ، فَلا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ أيْ يَتَفَرَّقُونَ. ثُمَّ أشارَ إلى التَّفَرُّقِ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ومَن عَمِلَ صالِحًا فَلِأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ومَن عَمِلَ صالِحًا﴾ولَمْ يَقُلْ ومَن آمَنَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ العَمَلَ الصّالِحَ بِهِ يَكْمُلُ الإيمانُ، فَذَكَرَهُ تَحْرِيضًا لِلْمُكَلَّفِ عَلَيْهِ، وأمّا الكُفْرُ إذا جاءَ فَلا زِنَةَ لِلْعَمَلِ مَعَهُ،