< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah030
Ar-Room (30)
The Romans, makkah, 60 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
بِاللَّيْلِ وابْتِغاؤُكم بِالنَّهارِ، فَلَفَّ البَعْضَ بِالبَعْضِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ آياتٌ أُخَرُ. مِنها قَوْلُهُ تَعالى:﴿وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا﴾[الإسراء: ١٢] وقَوْلُهُ: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا﴾﴿وجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا﴾[ النَّبَأِ: ١٠ - ١١] ويَكُونُ التَّقْدِيرُ هَكَذا: ومِن آياتِهِ مَنامُكم وابْتِغاؤُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ مِن فَضْلِهِ، فَأخَّرَ الِابْتِغاءَ وقَرَنَهُ في اللَّفْظِ بِالفِعْلِ إشارَةً إلى أنَّ العَبْدَ يَنْبَغِي أنْ لا يَرى الرِّزْقَ مِن كَسْبِهِ وبِحِذْقِهِ، بَلْ يَرى كُلَّ ذَلِكَ مِن فَضْلِ رَبِّهِ، ولِهَذا قَرَنَ الِابْتِغاءَ بِالفَضْلِ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ، مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾[الجمعة: ١٠] وقَوْلُهُ: ﴿ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾[النحل: ١٤] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ وقالَ مِن قَبْلُ: ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ وقالَ: ﴿لِلْعالِمِينَ﴾ فَنَقُولُ: المَنامُ بِاللَّيْلِ والِابْتِغاءُ مِن فَضْلِهِ يَظُنُّ الجاهِلُ أوِ الغافِلُ أنَّهُما مِمّا يَقْتَضِيهِ طَبْعُ الحَيَوانِ، فَلا يَظْهَرُ لِكُلِّ أحَدٍ كَوْنُهُما مِن نِعَمِ اللَّهِ، فَلَمْ يَقُلْ: آياتٌ لِلْعالَمِينَ، ولِأنَّ الأمْرَيْنِ الأوَّلَيْنِ وهو اخْتِلافُ الألْسِنَةِ والألْوانِ مِنَ اللَّوازِمِ، والمَنامُ والِابْتِغاءُ مِنَ الأُمُورِ المُفارِقَةِ، فالنَّظَرُ إلَيْهِما لا يَدُومُ لِزَوالِهِما في بَعْضِ الأوْقاتِ ولا كَذَلِكَ اخْتِلافُ الألْسِنَةِ والألْوانِ؛ فَإنَّهُما يَدُومانِ بِدَوامِ الإنْسانِ، فَجَعَلَهُما آياتٍ عامَّةً، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ مِنَ الأشْياءِ ما يَعْلَمُ مِن غَيْرِ تَفَكُّرٍ، ومِنها ما يَكْفِي فِيهِ مُجَرَّدُ الفِكْرَةِ، ومِنها ما لا يَخْرُجُ بِالفِكْرِ بَلْ يَحْتاجُ إلى مَوْقِفٍ يُوقَفُ عَلَيْهِ ومُرْشِدٍ يُرْشِدُ إلَيْهِ، فَيُفْهِمُهُ إذا سَمِعَهُ مِن ذَلِكَ المُرْشِدِ، ومِنها ما يَحْتاجُ إلى بَعْضِ النّاسِ في تَفَهُّمِهِ إلى أمْثِلَةٍ حِسِّيَّةٍ كالأشْكالِ الهَنْدَسِيَّةِ، لَكِنَّ خَلْقَ الأزْواجِ لا يَقَعُ لِأحَدٍ أنَّهُ بِالطَّبْعِ، إلّا إذا كانَ جامِدَ الفِكْرِ، خامِدَ الذِّكْرِ، فَإذا تَفَكَّرَ عَلِمَ كَوْنَ ذَلِكَ الخَلْقِ آيَةً، وأمّا المَنامُ والِابْتِغاءُ فَقَدْ يَقَعُ لِكَثِيرٍ أنَّهُما مِن أفْعالِ العِبادِ، وقَدْ يَحْتاجُ إلى مُرْشِدٍ بِغَيْرِ فِكْرَةٍ، فَقالَ: ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ ويَجْعَلُونَ بالَهم إلى كَلامِ المُرْشِدِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ .
لَمّا ذَكَرَ العَرَضِيّاتِ الَّتِي لِلْأنْفُسِ اللّازِمَةِ والمُفارِقَةِ ذَكَرَ العَرَضِيّاتِ الَّتِي لِلْآفاقِ، وقالَ: ﴿يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ﴾ . وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: لَمّا قَدَّمَ دَلائِلَ الأنْفُسِ هاهُنا قَدَّمَ العَرَضِيّاتِ الَّتِي لِلْأنْفُسِ وأخَّرَ العَرَضِيّاتِ الَّتِي لِلْآفاقِ، كَما أخَّرَ دَلائِلَ الآفاقِ، بِقَوْلِهِ: ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَدَّمَ لَوازِمَ الأنْفُسِ عَلى العَوارِضِ المُفارِقَةِ حَيْثُ ذَكَرَ أوَّلًا اخْتِلافَ الألْسِنَةِ والألْوانِ ثُمَّ
صفحة ١٠٠
المَنامَ والِابْتِغاءَ، وقَدَّمَ في الآفاقِ العَوارِضَ المُفارِقَةَ عَلى اللَّوازِمِ حَيْثُ قالَ: ﴿يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا ويُنَزِّلُ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ مُتَغَيِّرُ الحالِ، والعَوارِضُ لَهُ غَيْرُ بَعِيدَةٍ، وأمّا اللَّوازِمُ فِيهِ فَقَرِيبَةٌ. وأمّا السَّماواتُ والأرْضُ فَقَلِيلَةُ التَّغَيُّرِ، فالعَوارِضُ فِيها أغْرَبُ مِنَ اللَّوازِمِ، فَقَدَّمَ ما هو أعْجَبُ لِكَوْنِهِ أدْخَلَ في كَوْنِهِ آيَةً. ونَزِيدُهُ بَيانًا فَنَقُولُ: الإنْسانُ يَتَغَيَّرُ حالُهُ بِالكِبَرِ والصِّغَرِ والصِّحَّةِ والسَّقَمِ ولَهُ صَوْتٌ يُعْرَفُ بِهِ لا يَتَغَيَّرُ ولَهُ لَوْنٌ يَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ، وهو يَتَغَيَّرُ في الأحْوالِ وذَلِكَ لا يَتَغَيَّرُ وهو آيَةٌ عَجِيبَةٌ، والسَّماءُ والأرْضُ ثابِتانِ لا يَتَغَيَّرانِ، ثُمَّ يُرى في بَعْضِ الأحْوالِ أمْطارٌ هاطِلَةٌ وبُرُوقٌ هائِلَةٌ، والسَّماءُ كَما كانَتْ والأرْضُ كَذَلِكَ، فَهو آيَةٌ دالَّةٌ عَلى فاعِلٍ مُخْتارٍ يُدِيمُ أمْرًا مَعَ تَغَيُّرِ المَحَلِّ ويُزِيلُ أمْرًا مَعَ ثَباتِ المَحَلِّ.المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: كَما قَدَّمَ السَّماءَ عَلى الأرْضِ قَدَّمَ ما هو مِنَ السَّماءِ وهو البَرْقُ والمَطَرُ عَلى ما هو مِنَ الأرْضِ وهو الإنْباتُ والإحْياءُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: