< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah029
Al-Ankaboot (29)
The Spider, makkah, 69 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ (الحَجِّ: ١ ) وقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ (الأحْزابِ: ١)، ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ (التَّحْرِيمِ: ١ ) لِأنَّها أشْياءُ هائِلَةٌ عَظِيمَةٌ، فَإنَّ تَقْوى اللَّهِ حَقَّ تُقاتِهِ أمْرٌ عَظِيمٌ فَقُدِّمَ عَلَيْها النِّداءُ الَّذِي يَكُونُ لِلْبَعِيدِ الغافِلِ عَنْها تَنْبِيهًا، وأمّا هَذِهِ السُّورَةُ افْتُتِحَتْ بِالحُرُوفِ ولَيْسَ فِيها الِابْتِداءُ بِالكِتابِ والقُرْآنِ، وذَلِكَ لِأنَّ القُرْآنَ ثِقَلُهُ وعِبْئُهُ بِما فِيهِ مِنَ التَّكالِيفِ والمَعانِي، وهَذِهِ السُّورَةُ فِيها ذِكْرُ جَمِيعِ التَّكالِيفِ حَيْثُ قالَ: ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا﴾ يَعْنِي لا يُتْرَكُونَ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ بَلْ يُؤْمَرُونَ بِأنْواعٍ مِنَ التَّكالِيفِ فَوُجِدَ المَعْنى الَّذِي في السُّوَرِ الَّتِي فِيها ذِكْرُ القُرْآنِ المُشْتَمِلِ عَلى الأوامِرِ والنَّواهِي، فَإنْ قِيلَ: مِثْلُ هَذا الكَلامِ وفي مَعْناهُ ورَدَ في سُورَةِ التَّوْبَةِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾ (التَّوْبَةِ: ١٦ ) ولَمْ يُقَدَّمْ عَلَيْهِ حُرُوفُ التَّهَجِّي فَنَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ في غايَةِ الظُّهُورِ، وهو أنَّ هَذا ابْتِداءُ كَلامٍ، ولِهَذا وقَعَ الِاسْتِفْهامُ بِالهَمْزَةِ فَقالَ ﴿أحَسِبَ﴾ وذَلِكَ وسَطُ كَلامٍ بِدَلِيلِ وُقُوعِ الِاسْتِفْهامِ بِأمْ، والتَّنْبِيهُ يَكُونُ في أوَّلِ الكَلامِ لا في أثْنائِهِ، وأمّا ﴿الم﴾﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ (الرُّومِ: ١ - ٢) فَسَيَجِيءُ في مَوْضِعِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، هَذا تَمامُ الكَلامِ في الحُرُوفِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في إعْرابِ ﴿الم﴾ وقَدْ ذُكِرَ تَمامُ ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ مَعَ الوُجُوهِ المَنقُولَةِ في تَفْسِيرِهِ ونَزِيدُ هَهُنا عَلى ما ذَكَرْناهُ أنَّ الحُرُوفَ لا إعْرابَ لَها؛ لِأنَّها جارِيَةٌ مَجْرى الأصْواتِ المُنَبِّهَةِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ وفِيهِ أقْوالٌ:
الأوَّلُ: أنَّها نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وعَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، والوَلِيدِ بْنِ الوَلِيدِ، وسَلَمَةَ بْنِ هِشامٍ وكانُوا يُعَذَّبُونَ بِمَكَّةَ.
الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في أقْوامٍ بِمَكَّةَ هاجَرُوا وتَبِعَهُمُ الكُفّارُ فاسْتُشْهِدَ بَعْضُهم ونَجا الباقُونَ.
الثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في مَهْجِعِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في التَّفْسِيرِ، قَوْلُهُ: ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ يَعْنِي أظَنُّوا أنَّهم يُتْرَكُونَ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِمْ ﴿آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ لا يُبْتَلَوْنَ بِالفَرائِضِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ، واخْتَلَفَ أئِمَّةُ النَّحْوِ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ يَقُولُوا﴾ فَقالَ بَعْضُهم: أنْ يُتْرَكُوا بِأنْ يَقُولُوا، وقالَ بَعْضُهم: أنْ يُتْرَكُوا يَقُولُونَ آمَنّا، ومُقْتَضى ظاهِرِ هَذا أنَّهم يُمْنَعُونَ مِن قَوْلِهِمْ آمَنّا، كَما يُفْهَمُ مِن قَوْلِ القائِلِ تَظُنُّ أنَّكَ تُتْرَكُ أنْ تَضْرِبَ زَيْدًا أيْ تُمْنَعُ مِن ذَلِكَ، وهَذا بَعِيدٌ فَإنَّ اللَّهَ لا يَمْنَعُ أحَدًا مِن أنْ يَقُولَ آمَنتُ، ولَكِنْ مُرادُ هَذا المُفَسِّرِ هو أنَّهم لا يُتْرَكُونَ يَقُولُونَ آمَنّا مِن غَيْرِ ابْتِلاءٍ فَيُمْنَعُونَ مِن هَذا المَجْمُوعِ بِإيجابِ الفَرائِضِ عَلَيْهِمْ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: في الفَوائِدِ المَعْنَوِيَّةِ، وهي أنَّ المَقْصُودَ الأقْصى مِنَ الخَلْقِ العِبادَةُ، والمَقْصِدُ الأعْلى
صفحة ٢٦
فِي العِبادَةِ حُصُولُ مَحَبَّةِ اللَّهِ كَما ورَدَ في الخَبَرِ ”لا يَزالُ العَبْدُ يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالعِبادَةِ حَتّى أُحِبَّهُ“ وكُلُّ مَن كانَ قَلْبُهُ أشَدَّ امْتَلَأ مِن مَحَبَّةِ اللَّهِ فَهو أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ، لَكِنْ لِلْقَلْبِ تُرْجُمانٌ وهو اللِّسانُ، ولِلِّسانِ مُصَدِّقاتٌ هي الأعْضاءُ، ولِهَذِهِ المُصَدِّقاتِ مُزَكِّياتٌ، فَإذا قالَ الإنْسانُ آمَنتُ بِاللِّسانِ فَقَدِ ادَّعى مَحَبَّةَ اللَّهِ في الجَنانِ، فَلا بُدَّ لَهُ مِن شُهُودٍ، فَإذا اسْتَعْمَلَ الأرْكانَ في الإتْيانِ بِما عَلَيْهِ بُنْيانُ الإيمانِ حَصَلَ لَهُ عَلى دَعْواهُ شُهُودٌ مُصَدِّقاتٌ، فَإذا بَذَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ نَفْسَهُ ومالَهُ، وزَكّى بِتَرْكِ ما سِواهُ أعْمالَهُ، زَكّى شُهُودَهُ الَّذِينَ صَدَّقُوهُ فِيما قالَهُ، فَيُحَرِّرُ في جَرائِدِ المُحِبِّينَ اسْمَهُ، ويُقَرِّرُ في أقْسامِ المُقَرَّبِينَ قَسْمَهُ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا﴾يَعْنِي: أظَنُّوا أنْ تُقْبَلَ مِنهم دَعْواهم