< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah029
Al-Ankaboot (29)
The Spider, makkah, 69 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
لَمْ يَكُنْ لَهم جَوابٌ أصْلًا، وذَلِكَ لِأنَّ مَن لا يُجِيبُ غَيْرَهُ ويَسْكُتُ، لا يُعْلَمُ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى الجَوابِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ سُكُوتُهُ لِعَدَمِ الِالتِفاتِ، أمّا إذا أجابَ بِجَوابٍ فاسِدٍ، عُلِمَ أنَّهُ قَصَدَ الجَوابَ وما قَدَرَ عَلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: القائِلُونَ الَّذِينَ قالُوا: اقْتُلُوهُ هم قَوْمُهُ والمَأْمُورُونَ بِقَوْلِهِمُ اقْتُلُوهُ أيْضًا هم، فَيَكُونُ الآمِرُ نَفْسَ المَأْمُورِ ؟ فَنَقُولُ الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم قالَ لِمَن عَداهُ: اقْتُلُوهُ، فَحَصَلَ الأمْرُ مِن كُلِّ واحِدٍ وصارَ المَأْمُورُ كُلَّ واحِدٍ ولا اتِّحادَ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ أمَرَ غَيْرَهُ.
وثانِيهِما: هو أنَّ الجَوابَ لا يَكُونُ إلّا مِنَ الأكابِرِ والرُّؤَساءِ، فَإذا قالَ أعْيانُ بَلَدٍ كَلامًا يُقالُ: اتَّفَقَ أهْلُ البَلْدَةِ عَلى هَذا ولا يُلْتَفَتُ إلى عَدَمِ قَوْلِ العَبِيدِ والأراذِلِ، فَكانَ جَوابَ قَوْمِهِ وهُمُ الرُّؤَساءُ أنْ قالُوا لِأتْباعِهِمْ وأعْوانِهِمُ: اقْتُلُوهُ، لِأنَّ الجَوابَ لا يُباشِرُهُ إلّا الأكابِرُ، والقَتْلَ لا يُباشِرُهُ إلّا الأتْباعُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أوْ يُذْكَرُ بَيْنَ أمْرَيْنِ الثّانِي مِنهُما يَنْفَكُّ عَنِ الأوَّلِ كَما يُقالُ: زَوْجٌ أوْ فَرْدٌ، ويُقالُ: هَذا إنْسانٌ أوْ حَيَوانٌ، يَعْنِي إنْ لَمْ يَكُنْ إنْسانًا فَهو حَيَوانٌ، ولا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: هَذا حَيَوانٌ أوْ إنْسانٌ، إذْ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ يَقُولُ هو حَيَوانٌ فَإنْ لَمْ يَكُنْ حَيَوانًا فَهو إنْسانٌ وهو مُحالٌ، لَكِنَّ التَّحْرِيقَ مُشْتَمِلٌ عَلى القَتْلِ فَقَوْلُهُ اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ كَقَوْلِ القائِلِ: حَيَوانٌ أوْ إنْسانٌ، الجَوابُ عَنْهُ: مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الِاسْتِعْمالَ عَلى خِلافِ ما ذُكِرَ شائِعٌ ويَكُونُ (أوْ) مُسْتَعْمَلًا في مَوْضِعِ بَلْ، كَما يَقُولُ القائِلُ: أعْطَيْتُهُ دِينارًا أوْ دِينارَيْنِ، وكَما يَقُولُ القائِلُ: أعْطِهِ دِينارًا بَلْ دِينارَيْنِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا﴾﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ ( المُزَّمِّلِ:٢ - ٣ - ٤) فَكَذَلِكَ هَهُنا اقْتُلُوهُ أوْ زِيدُوا عَلى القَتْلِ وحَرِّقُوهُ.
الجَوابُ الثّانِي: هو أنّا نُسَلِّمُ ما ذَكَرْتُمْ والأمْرُ هُنا كَذَلِكَ، لِأنَّ التَّحْرِيقَ فِعْلٌ مُفْضٍ إلى القَتْلِ وقَدْ يَتَخَلَّفُ عَنْهُ القَتْلُ فَإنَّ مَن ألْقى غَيْرَهُ في النّارِ حَتّى احْتَرَقَ جِلْدُهُ بِأسْرِهِ وأُخْرِجَ مِنها حَيًّا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: احْتَرَقَ فُلانٌ وأحْرَقَهُ فُلانٌ وما ماتَ، فَكَذَلِكَ هَهُنا قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ لا تُعَجِّلُوا قَتْلَهُ وعَذِّبُوهُ بِالنّارِ، وإنْ تَرَكَ مَقالَتَهُ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ وإنْ أصَرَّ فَخَلُّوا في النّارِ مَقِيلَهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ﴾ اخْتَلَفَ العُقَلاءُ في كَيْفِيَّةِ الإنْجاءِ، بَعْضُهم قالَ: بَرَّدَ النّارَ وهو الأصَحُّ المُوافِقُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْنا يانارُ كُونِي بَرْدًا﴾ (الأنْبِياءِ: ٦٩ ) وبَعْضُهم قالَ: خَلَقَ في إبْراهِيمَ كَيْفِيَّةً اسْتَبْرَدَ مَعَها النّارَ، وقالَ بَعْضُهم: تَرَكَ إبْراهِيمَ عَلى ما هو عَلَيْهِ والنّارَ عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ ومَنَعَ أذى النّارِ عَنْهُ، والكُلُّ مُمْكِنٌ واللَّهُ قادِرٌ عَلَيْهِ، وأنْكَرَ بَعْضُ الأطِبّاءِ الكُلَّ، أمّا سَلْبُ الحَرارَةِ عَنِ النّارِ، قالُوا: الحَرارَةُ في النّارِ ذاتِيَّةٌ كالزَّوْجِيَّةِ في الأرْبَعَةِ لا يُمْكِنُ أنْ تُفارِقَها، وأمّا خَلْقُ كَيْفِيَّةٍ تَسْتَبْرِدُ النّارَ فَلِأنَّ المِزاجَ الإنْسانِيَّ لَهُ طَرَفا تَفْرِيطٍ وإفْراطٍ، فَلَوْ خَرَجَ عَنْهُما لا يَبْقى إنْسانًا أوْ لا يَعِيشُ. مَثَلًا المِزاجُ إنْ كانَ البارِدُ فِيهِ عَشَرَةَ أجْزاءٍ يَكُونُ إنْسانًاصفحة ٤٧
فَإنْ صارَ أحَدَ عَشَرَ لا يَكُونُ إنْسانًا وإنْ صارَتِ الأجْزاءُ البارِدَةُ خَمْسَةً يَبْقى إنْسانًا، فَإذا صارَتْ أرْبَعَةً لا يَبْقى إنْسانًا لَكِنَّ البُرُودَةَ الَّتِي يَسْتَبْرِدُ مَعَها النّارَ مِزاجُ السَّمَندَلِ، فَلَوْ حَصَلَ في الإنْسانِ لَماتَ أوْ لَكانَ ذَلِكَ فَإنَّ النَّفْسَ تابِعَةٌ لِلْمِزاجِ، وأمّا الثّالِثُ فَمُحالٌ أنْ تَكُونَ القُطْنَةُ في النّارِ والنّارُ كَما هي، والقُطْنَةُ كَما هي ولا تَحْتَرِقُ، فَنَقُولُ: الآيَةُ رَدٌّ عَلَيْهِمْ والعَقْلُ