< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah029
Al-Ankaboot (29)
The Spider, makkah, 69 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
أنَّهُ خَلَقَهُ ولَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا، وأنَّهُ خَلَقَهُ مِن نُطْفَةٍ هي مِن غِذاءٍ هو مِن ماءٍ وتُرابٍ، وهَذا القَدْرُ كافٍ في حُصُولِ العِلْمِ بِإمْكانِ الإعادَةِ فَإنَّ الإعادَةَ مِثْلُهُ.
صفحة ٤٢
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لِمَ قالَ: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ فَأبْرَزَ اسْمَهُ مَرَّةً أُخْرى، ولَمْ يَقُلْ إنَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ يَسِيرٌ كَما قالَ: ثُمَّ يُعِيدُهُ مِن غَيْرِ إبْرازٍ ؟ نَقُولُ مَعَ إقامَةِ البُرْهانِ عَلى أنَّهُ يَسِيرٌ فَأكَّدَهُ بِإظْهارِ اسْمِهِ فَإنَّهُ يُوجِبُ المَعْرِفَةَ أيْضًا بِكَوْنِ ذَلِكَ يَسِيرًا، فَإنَّ الإنْسانَ إذا سَمِعَ لَفْظَ اللَّهِ وفَهِمَ مَعْناهُ أنَّهُ الحَيُّ القادِرُ بِقُدْرَةٍ كامِلَةٍ، لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، العالِمُ بِعِلْمٍ مُحِيطٍ بِذَرّاتِ كُلِّ جِسْمٍ، نافِذُ الإرادَةِ لا رادَّ لِما أرادَهُ، يَقْطَعُ بِجَوازِ الإعادَةِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأ الخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
الآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ كانَتْ إشارَةً إلى العِلْمِ الحَدْسِيِّ وهو الحاصِلُ مِن غَيْرِ طَلَبٍ فَقالَ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى اسْتِبْعادِ عَدَمِهِ، وقالَ في هَذِهِ الآيَةِ إنْ لَمْ يَحْصُلْ لَكم هَذا العِلْمُ فَتَفَكَّرُوا في أقْطارِ الأرْضِ لِتَعْلَمُوا بِالعِلْمِ الفِكْرِيِّ، وهَذا لِأنَّ الإنْسانَ لَهُ مَراتِبُ في الإدْراكِ بَعْضُهم يُدْرِكُ شَيْئًا مِن غَيْرِ تَعْلِيمٍ، وإقامَةِ بُرْهانٍ لَهُ، وبَعْضُهم لا يَفْهَمُ إلّا بِإبانَةٍ وبَعْضُهم لا يَفْهَمُهُ أصْلًا فَقالَ: إنْ كُنْتُمْ لَسْتُمْ مِنَ القَبِيلِ الأوَّلِ فَسِيرُوا في الأرْضِ، أيْ: سَيِّرُوا فِكْرَكم في الأرْضِ وأجِيلُوا ذِهْنَكم في الحَوادِثِ الخارِجَةِ عَنْ أنْفُسِكم لِتَعْلَمُوا بَدْءَ الخَلْقِ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ في الآيَةِ الأُولى بِلَفْظِ الرُّؤْيَةِ وفي هَذِهِ بِلَفْظِ النَّظَرِ ما الحِكْمَةُ فِيهِ ؟ نَقُولُ: العِلْمُ الحَدْسِيُّ أتَمُّ مِنَ العِلْمِ الفِكْرِيِّ كَما تَبَيَّنَ، والرُّؤْيَةُ أتَمُّ مِنَ النَّظَرِ لِأنَّ النَّظَرَ يُفْضِي إلى الرُّؤْيَةِ، يُقالُ: نَظَرْتُ فَرَأيْتُ والمُفْضِي إلى الشَّيْءِ دُونَ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَقالَ في الأوَّلِ أما حَصَلَتْ لَكُمُ الرُّؤْيَةُ فانْظُرُوا في الأرْضِ لِتَحْصُلَ لَكُمُ الرُّؤْيَةُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ بِصِيغَةِ الأمْرِ وفي الآيَةِ الأوْلى بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهامِ لِأنَّ العِلْمَ الحَدْسِيَّ إنْ حَصَلَ فالأمْرُ بِهِ تَحْصِيلُ الحاصِلِ، وإنْ لَمْ يَحْصُلْ فَلا يَحْصُلُ إلّا بِالطَّلَبِ لِأنَّ بِالطَّلَبِ يَصِيرُ الحاصِلُ فِكْرِيًّا فَيَكُونُ الأمْرُ بِهِ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ، وأمّا العِلْمُ الفِكْرِيُّ فَهو مَقْدُورٌ فَوَرَدَ الأمْرُ بِهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أبْرَزَ اسْمَ اللَّهِ في الآيَةِ الأُولى عِنْدَ البَدْءِ حَيْثُ قالَ: ﴿كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ﴾ وأضْمَرَهُ عِنْدَ الإعادَةِ وفي هَذِهِ الآيَةِ أضْمَرَهُ عِنْدَ البَدْءِ وأبْرَزَهُ عِنْدَ الإعادَةِ حَيْثُ قالَ: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ﴾ لِأنَّ في الآيَةِ الأُولى لَمْ يَسْبِقْ ذِكْرُ اللَّهِ بِفِعْلٍ حَتّى يُسْنَدَ إلَيْهِ البَدْءُ فَقالَ: ﴿كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ كَما يَقُولُ القائِلُ ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا، ثُمَّ ضَرَبَ بَكْرًا، ولا يَحْتاجُ إلى إظْهارِ اسْمِ زَيْدٍ اكْتِفاءً بِالأوَّلِ، وفي الآيَةِ الثّانِيَةِ كانَ ذِكْرُ البَدْءِ مُسْنَدًا إلى اللَّهِ فاكْتَفى بِهِ ولَمْ يُبْرِزْهُ، كَقَوْلِ القائِلِ: أما عَلِمْتَ كَيْفَ خَرَجَ زَيْدٌ، اسْمَعْ مِنِّي كَيْفَ خَرَجَ، ولا يُظْهِرُ اسْمَ زَيْدٍ، وأمّا إظْهارُهُ عِنْدَ الإنْشاءِ ثانِيًا حَيْثُ قالَ: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ﴾ مَعَ أنَّهُ كانَ يَكْفِي أنْ يَقُولَ: ثُمَّ يُنْشِئُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ، فَلِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ وهي ما ذَكَرْنا أنَّ مَعَ إقامَةِ البُرْهانِ عَلى إمْكانِ الإعادَةِ أظْهَرَ اسْمًا، مَن يَفْهَمُ المُسَمّى بِهِ بِصِفاتِ كَمالِهِ ونُعُوتِ جَلالِهِ يَقْطَعُ بِجَوازِ الإعادَةِ فَقالَ اللَّهُ مُظْهِرًا مُبْرِزًا لِيَقَعَ في ذِهْنِ الإنْسانِ مِنِ اسْمِهِ كَمالُ
صفحة ٤٣
قُدْرَتِهِ وشُمُولُ عِلْمِهِ ونُفُوذُ إرادَتِهِ، ويَعْتَرِفُ بِوُقُوعِ بَدْئِهِ وجَوازِ إعادَتِهِ، فَإنْ قِيلَ فَلِمَ لَمْ يَقُلْ: ثُمَّ اللَّهُ يُعِيدُهُ لِعَيْنِ