< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah029
Al-Ankaboot (29)
The Spider, makkah, 69 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
لَهم؛ لِأنَّ التَّلْبِيسَ إنَّما يَكُونُ عِنْدَما يُخالِفُ القَوْلُ القَلْبَ، فالسّامِعُ يَبْنِي الأمْرَ عَلى قَوْلِهِ ولا يَدْرِي ما في قَلْبِهِ، فَيَلْتَبِسُ الأمْرُ عَلَيْهِ، وأمّا اللَّهُ تَعالى فَهو عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ، وهو أعْلَمُ بِما في صَدْرِ الإنْسانِ مِنَ الإنْسانِ، فَلا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِ الأمْرُ، وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّ الِاعْتِبارَ بِما في القَلْبِ، فالمُنافِقُ الَّذِي يُظْهِرُ الإيمانَ ويُضْمِرُ الكُفْرَ كافِرٌ، والمُؤْمِنُ المُكْرَهُ الَّذِي يُظْهِرُ الكُفْرَ ويُضْمِرُ الإيمانَ مُؤْمِنٌ واللَّهُ أعْلَمُ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ، ولَمّا بَيَّنَ أنَّهُ أعْلَمَ بِما في قُلُوبِ العالَمِينَ، بَيَّنَ أنَّهُ يَعْلَمُ المُؤْمِنَ المُحِقَّ وإنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ، والمُنافِقَ وإنْ تَكَلَّمَ فَقالَ:﴿ولَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ، لَكِنْ فِيهِ مَسْألَةٌ واحِدَةٌ وهي أنَّ اللَّهَ قالَ هُناكَ: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ وقالَ هَهُنا: ﴿ولَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَنَقُولُ لَمّا كانَ الذِّكْرُ هُناكَ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، والكافِرُ في قَوْلِهِ كاذِبٌ، فَإنَّهُ يَقُولُ: اللَّهُ أكْثَرُ مِن واحِدٍ، والمُؤْمِنُ في قَوْلِهِ صادِقٌ، فَإنَّهُ كانَ يَقُولُ اللَّهُ واحِدٌ، ولَمْ يَكُنْ هُناكَ ذِكْرُ مَن يُضْمِرُ خِلافَ ما يُظْهِرُ، فَكانَ الحاصِلُ هُناكَ قِسْمَيْنِ صادِقًا وكاذِبًا، وكانَ هَهُنا المُنافِقُ صادِقًا في قَوْلِهِ فَإنَّهُ كانَ يَقُولُ اللَّهُ واحِدٌ، فاعْتَبَرَ أمْرَ القَلْبِ في المُنافِقِ فَقالَ: ﴿ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ واعْتَبَرَ أمْرَ القَلْبِ في المُؤْمِنِ وهو التَّصْدِيقُ فَقالَ: ﴿ولَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ .
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطاياكم وما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾
لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى الفِرَقَ الثَّلاثَةَ وأحْوالَهم، وذَكَرَ أنَّ الكافِرَ يَدْعُو مَن يَقُولُ آمَنتُ إلى الكُفْرِ بِالفِتْنَةِ، وبَيَّنَ أنَّ عَذابَ اللَّهِ فَوْقَها، وكانَ الكافِرُ يَقُولُ لِلْمُؤْمِنِ تَصْبِرُ في الذُّلِّ وعَلى الإيذاءِ لِأيِّ شَيْءٍ ولِمَ لا تَدْفَعُ عَنْ نَفْسِكَ الذُّلَّ والعَذابَ بِمُوافَقَتِنا ؟ فَكانَ جَوابُ المُؤْمِنِ أنْ يَقُولَ: خَوْفًا مِن عَذابِ اللَّهِ عَلى خَطِيئَةِ مَذْهَبِكم، فَقالُوا لا خَطِيئَةَ فِيهِ، وإنْ كانَ فِيهِ خَطِيئَةٌ فَعَلَيْنا، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: (ولْنَحْمِلْ) صِيغَةُ أمْرٍ، والمَأْمُورُ غَيْرُ الأمْرِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ أمْرُ النَّفْسِ مِنَ الشَّخْصِ ؟ فَنَقُولُ الصِّيغَةُ أمْرٌ، والمَعْنى شَرْطٌ وجَزاءٌ، أيْ إنِ اتَّبَعْتُمُونا حَمَلْنا خَطاياكم، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: هو في مَعْنى قَوْلِ مَن يُرِيدُ اجْتِماعَ أمْرَيْنِ في الوُجُودِ، فَيَقُولُ لِيَكُنْ مِنكَ العَطاءُ ولْيَكُنْ مِنِّي الدُّعاءُ، فَقَوْلُهُ: (ولْنَحْمِلْ)، أيْ لِيَكُنْ مِنّا الحَمْلُ، ولَيْسَ هو في الحَقِيقَةِ أمْرُ طَلَبٍ وإيجابٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ: ﴿وما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهُمْ﴾ وقالَ بَعْدَ هَذا: ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾
صفحة ٣٧
فَهُناكَ نَفى الحَمْلَ، وهَهُنا أثْبَتَ الحَمْلَ، فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما ؟ فَنَقُولُ: قَوْلُ القائِلِ: فُلانٌ حَمَلَ عَنْ فُلانٍ يُفِيدُ أنَّ حِمْلَ فُلانٍ خَفَّ، وإذا لَمْ يَخِفَّ حِمْلُهُ فَلا يَكُونُ قَدْ حَمَلَ مِنهُ شَيْئًا، فَكَذَلِكَ هَهُنا ما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم يَعْنِي لا يَرْفَعُونَ عَنْهم خَطِيئَةً، وهم يَحْمِلُونَ أوْزارًا بِسَبَبِ إضْلالِهِمْ ويَحْمِلُونَ أوْزارًا بِسَبَبِ ضَلالَتِهِمْ، كَما قالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِن وِزْرِهِ شَيْءٌ» “ .المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الصِّيغَةُ أمْرٌ، والأمْرُ لا يَدْخُلُهُ التَّصْدِيقُ والتَّكْذِيبُ، فَكَيْفَ يُفْهَمُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ نَقُولُ: قَدْ تَبَيَّنَ أنَّ مَعْناهُ شَرْطٌ وجَزاءٌ، فَكَأنَّهم قالُوا: إنْ تَتَّبِعُونا نَحْمِلْ خَطاياكم، وهم كَذَبُوا في هَذا فَإنَّهم لا يَحْمِلُونَ شَيْئًا.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ ولَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾
فِي الَّذِي كانُوا يَفْتَرُونَهُ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:
أحَدُها: كانَ قَوْلُهم: ﴿ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾صادِرًا لِاعْتِقادِهِمْ أنْ لا خَطِيئَةَ في