< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah029
Al-Ankaboot (29)
The Spider, makkah, 69 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
إلى الإضْمارِ؛ بَلْ يُدْخِلُهم في الصّالِحِينَ أيْ يَجْعَلُهم مِنهم ويُدْخِلُهم في عِدادِهِمْ كَما يُقالُ الفَقِيهُ داخِلٌ في العُلَماءِ.
صفحة ٣٤
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الحُكَماءُ: عالَمُ العَناصِرِ عالَمُ الكَوْنِ والفَسادِ، وما فِيهِ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ الفَسادُ، فَإنَّ الماءَ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ ماءً، ويَفْسُدُ ويَتَكَوَّنُ مِنهُ هَواءٌ، وعالَمُ السَّماواتِ لا كَوْنَ فِيهِ ولا فَسادَ بَلْ يُوجَدُ مِن عَدَمٍ، ولا يَعْدَمُ ولا يَصِيرُ المَلَكُ تُرابًا بِخِلافِ الإنْسانِ، فَإنَّهُ يَصِيرُ تُرابًا أوْ شَيْئًا آخَرَ، وعَلى هَذا فالعالَمُ العُلْوِيُّ لَيْسَ بِفاسِدٍ فَهو صالِحٌ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنُدْخِلَنَّهم في الصّالِحِينَ﴾ أيْ في المُجَرَّدِينَ الَّذِينَ لا فَسادَ لَهم.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إنّا كُنّا مَعَكم أوَلَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ﴾﴿ولَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾
نَقُولُ أقْسامُ المُكَلَّفِينَ ثَلاثَةٌ: مُؤْمِنٌ ظاهِرٌ بِحُسْنٍ اعْتِقادِهِ، وكافِرٌ مُجاهِرٌ بِكُفْرِهِ وعِنادِهِ، ومُذَبْذَبٌ بَيْنَهُما يُظْهِرُ الإيمانَ بِلِسانِهِ ويُضْمِرُ الكُفْرَ في فُؤادِهِ، واللَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ القِسْمَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ٣ ) وبَيَّنَ أحْوالَهُما بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ بَيَّنَ القِسْمَ الثّالِثَ وقالَ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا﴾ ولَمْ يَقُلْ آمَنتُ مَعَ أنَّهُ وحَّدَ الأفْعالَ الَّتِي بَعْدَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ﴾؛ وذَلِكَ لِأنَّ المُنافِقَ كانَ يُشَبِّهُ نَفْسَهُ بِالمُؤْمِنِ، ويَقُولُ إيمانِي كَإيمانِكَ فَقالَ: ﴿آمَنّا﴾ يَعْنِي أنا والمُؤْمِنُ حَقًّا آمَنّا، إشْعارًا بِأنَّ إيمانَهُ كَإيمانِهِ، وهَذا كَما أنَّ الجَبانَ الضَّعِيفَ إذا خَرَجَ مَعَ الأبْطالِ في القِتالِ وهَزَمُوا خُصُومَهم، يَقُولُ الجَبانُ: خَرَجْنا وقاتَلْناهم وهَزَمْناهم، فَيَصِحُّ مِنَ السّامِعِ لِكَلامِهِ أنْ يَقُولَ: وماذا كُنْتَ أنْتَ فِيهِمْ حَتّى تَقُولَ خَرَجْنا وقاتَلْنا ؟ وهَذا الرَّدُّ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَفْهَمُ مِن كَلامِهِ أنَّ خُرُوجَهُ وقِتالَهُ كَخُرُوجِهِمْ وقِتالِهِمْ؛ لِأنَّهُ لا يَصِحُّ الإنْكارُ عَلَيْهِ في دَعْوى نَفْسِ الخُرُوجِ والقِتالِ، وكَذا قَوْلُ القائِلِ أنا والمَلِكُ ألْفَيْنا فُلانًا واسْتَقْبَلْناهُ يُنْكَرُ؛ لِأنَّ المَفْهُومَ مِنهُ المُساواةُ فَهم لَمّا أرادُوا إظْهارَ كَوْنِ إيمانِهِمْ كَإيمانِ المُحِقِّينَ كانَ الواحِدُ يَقُولُ: ﴿آمَنّا﴾ أيْ أنا والمُحِقُّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ﴾ هو في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأُوذُوا في سَبِيلِي﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١٩٥) غَيْرَ أنَّ المُرادَ بِتِلْكَ الآيَةِ الصّابِرُونَ عَلى أذِيَّةِ الكافِرِينَ، والمُرادُ هَهُنا الَّذِينَ لَمْ يَصْبِرُوا عَلَيْها فَقالَ هُناكَ: ﴿وأُوذُوا في سَبِيلِي﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١٩٥ ) وقالَ هَهُنا: ﴿أُوذِيَ في اللَّهِ﴾ ولَمْ يَقُلْ في سَبِيلِ اللَّهِ، واللَّطِيفَةُ فِيهِ أنَّ اللَّهَ أرادَ بَيانَ شَرَفِ المُؤْمِنِ الصّابِرِ، وخِسَّةَ المُنافِقِ الكافِرِ فَقالَ هُناكَ أُوذِيَ المُؤْمِنُ في سَبِيلِ اللَّهِ؛ لِيَتْرُكَ سَبِيلَهُ ولَمْ يَتْرُكْهُ، وأُوذِيَ المُنافِقُ الكافِرُ فَتَرَكَ اللَّهَ بِنَفْسِهِ، وكانَ يُمْكِنُهُ أنْ يُظْهِرَ مُوافَقَتَهم إنْ بَلَغَ الإيذاءُ إلى حَدِّ الإكْراهِ، ويَكُونُ قَلْبُهُ مُطْمَئِنًا بِالإيمانِ فَلا يَتْرُكُ اللَّهَ، ومَعَ هَذا لَمْ يَفْعَلْهُ بَلْ تَرَكَ اللَّهَ بِالكُلِّيَّةِ، والمُؤْمِنُ أُوذِيَ ولَمْ يَتْرُكْ
صفحة ٣٥
سَبِيلَ اللَّهِ بَلْ أظْهَرَ كَلِمَتَيِ الشَّهادَةِ وصَبَرَ عَلى الطّاعَةِ والعِبادَةِ.المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ﴾قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ صارِفَةً عَنِ الإيمانِ كَما أنَّ عَذابَ اللَّهِ صارِفٌ عَنِ الكُفْرِ، وقِيلَ جَزِعُوا مِن عَذابِ النّاسِ كَما جَزِعُوا مِن عَذابِ اللَّهِ، وبِالجُمْلَةِ مَعْناهُ أنَّهم جَعَلُوا فِتْنَةَ النّاسِ مَعَ ضَعْفِها وانْقِطاعِها كَعَذابِ اللَّهِ الألِيمِ الدّائِمِ، حَتّى تَرَدَّدُوا في الأمْرِ،