< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah028
Al-Qasas (28)
The Stories, makkah, 88 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
إلى التَّقْلِيدِ، ولِأنَّ حالَ الأوَّلِينَ لا يَخْلُو مِن وجْهَيْنِ: إمّا أنْ لا يُورِدَ عَلَيْهِمْ بِمِثْلِ هَذِهِ الحجة فَحِينَئِذٍ الفَرْقُ ظاهِرٌ، أوْ أُورِدَ عَلَيْهِمْ فَدَفَعُوهُ، فَحِينَئِذٍ لا يَجُوزُ جَعْلُ جَهْلِهِمْ وخَطَئِهِمْ حُجَّةً، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقَدْ عَرَفَ مِنهُمُ العِنادَ:﴿رَبِّي أعْلَمُ بِمَن جاءَ بِالهُدى مِن عِنْدِهِ ومَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ فَإنَّ مَن أظْهَرَ الحجة، ولَمْ يَجِدْ مِنَ الخَصْمِ اعْتِراضًا عَلَيْها، وإنَّما لَمّا وجَدَ مِنهُ العِنادَ صَحَّ أنْ يَقُولَ: رَبِّي أعْلَمُ بِمَن مَعَهُ الهُدى والحجة مِنّا جَمِيعًا، ومَن هو عَلى الباطِلِ، ويَضُمَّ إلَيْهِ طَرِيقَ الوَعِيدِ والتَّخْوِيفِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ومَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ مِن ثَوابٍ عَلى تَمَسُّكِهِ بِالحَقِّ أوْ مِن عِقابٍ، وعاقِبَةُ الدّارِ هي العاقِبَةُ المَحْمُودَةُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾[ الرَّعْدِ: ٢٢ - ٢٣] وقَوْلُهُ: ﴿وسَيَعْلَمُ الكُفّارُ لِمَن عُقْبى الدّارِ﴾[الرعد: ٤٢] والمُرادُ بِالدّارِ الدُّنْيا وعاقِبَتُها وعُقْباها أنْ يُخْتَمَ لِلْعَبْدِ بِالرَّحْمَةِ والرِّضْوانِ وتَلَقِّي المَلائِكَةِ بِالبُشْرى عِنْدَ المَوْتِ، فَإنْ قِيلَ: العاقِبَةُ المَحْمُودَةُ والمَذْمُومَةُ كِلْتاهُما يَصِحُّ أنْ تُسَمّى عاقِبَةَ الدّارِ؛ لِأنَّ الدُّنْيا قَدْ تَكُونُ خاتِمَتُها بِخَيْرٍ في حَقِّ البَعْضِ وبَشَرٍّ في حَقِّ البَعْضِ الآخَرِ، فَلِمَ
صفحة ٢١٥
اخْتُصَّتْ خاتِمَتُها بِالخَيْرِ بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ دُونَ خاتِمَتِها بِالشَّرِّ ؟ قُلْنا: إنَّهُ قَدْ وضَعَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الدُّنْيا مَجازًا إلى الآخِرَةِ، وأمَرَ عِبادَهُ أنْ لا يَعْمَلُوا فِيها إلّا الخَيْرَ لِيَبْلُغُوا خاتِمَةَ الخَيْرِ وعاقِبَةَ الصِّدْقِ، فَمَن عَمِلِ فِيها خِلافَ ما وضَعَها اللَّهُ لَهُ فَقَدْ حَرَّفَ، فَإذَنْ عاقِبَتُها الأصْلِيَّةُ هي عاقِبَةُ الخَيْرِ، وأمّا عاقِبَةُ السُّوءِ فَلا اعْتِدادَ بِها؛ لِأنَّها مِن نَتائِجِ تَحْرِيفِ الفُجّارِ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ والمُرادُ أنَّهم لا يَظْفَرُونَ بِالفَوْزِ والنَّجاةِ والمَنافِعِ بَلْ يَحْصُلُونَ عَلى ضِدِّ ذَلِكَ، وهَذا نِهايَةٌ في زَجْرِهِمْ عَنِ العِنادِ الَّذِي ظَهَرَ مِنهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ياأيُّها المَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي فَأوْقِدْ لِي ياهامانُ عَلى الطِّينِ فاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لَأظُنُّهُ مِنَ الكاذِبِينَ﴾﴿واسْتَكْبَرَ هو وجُنُودُهُ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وظَنُّوا أنَّهم إلَيْنا لا يُرْجَعُونَ﴾﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النّارِ ويَوْمَ القِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾﴿وأتْبَعْناهم في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ هم مِنَ المَقْبُوحِينَ﴾﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى بَصائِرَ لِلنّاسِ وهُدًى ورَحْمَةً لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ كانَتْ عادَتُهُ مَتى ظَهَرَتْ حُجَّةُ مُوسى أنْ يَتَعَلَّقَ في دَفْعِ تِلْكَ الحجة بِشُبْهَةٍ يُرَوِّجُها عَلى أغْمارِ قَوْمِهُ، وذَكَرَ هَهُنا شُبْهَتَيْنِ:
الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ وهَذا في الحَقِيقَةِ يَشْتَمِلُ عَلى كَلامَيْنِ:
أحَدُهُما: نَفْيُ إلَهٍ غَيْرِهِ.
والثّانِي: إثْباتُ إلَهِيَّةِ نَفْسِهِ.
فَأمّا الأوَّلُ فَقَدْ كانَ اعْتِمادُهُ عَلى أنَّ ما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ إثْباتُهُ، أمّا أنَّهُ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ فَلِأنَّ هَذِهِ الكَواكِبَ والأفْلاكَ كافِيَةٌ في اخْتِلافِ أحْوالِ هَذا العالَمِ السُّفْلِيِّ، فَلا حاجَةَ إلى إثْباتِ صانِعٍ، وأمّا أنَّ ما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ إثْباتُهُ، فالأمْرُ فِيهِ ظاهِرٌ.
واعْلَمْ أنَّ المُقَدِّمَةَ الأُولى كاذِبَةٌ، فَإنّا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ لا دَلِيلَ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ؛ وذَلِكَ لِأنّا إذا عَرَفْنا بِالدَّلِيلِ حُدُوثَ الأجْسامِ عَرَفْنا حُدُوثَ الأفْلاكِ والكَواكِبِ، وعَرَفْنا بِالضَّرُورَةِ أنَّ المُحْدَثَ لا بُدَّ لَهُ مِن مُحْدِثٍ فَحِينَئِذٍ
صفحة ٢١٦
نَعْرِفُ بِالدَّلِيلِ أنَّ هَذا العالَمَ لَهُ صانِعٌ، والعَجَبُ أنَّ جَماعَةً اعْتَمَدُوا في نَفْيِ كَثِيرٍ مِنَ الأشْياءِ عَلى أنْ