< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


لَهُما، قالَ: نَعَمْ، وكانَ يَجْتَمِعُ عَلى الدَّلْوِ أرْبَعُونَ رَجُلًا حَتّى يُخْرِجُوهُ مِنَ البِئْرِ، فَأخَذَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الدَّلْوَ، فاسْتَقى بِهِ وحْدَهُ، وصَبَّ في الحَوْضِ، ودَعا بِالبَرَكَةِ، ثُمَّ قَرَّبَ غَنَمَهُما، فَشَرِبَتْ حَتّى رَوِيَتْ، ثُمَّ سَرَّحَهُما مَعَ غَنَمِهِما.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ ساغَ لِنَبِيِّ اللَّهِ الَّذِي هو شُعَيْبٌ أنْ يَرْضى لِابْنَتَيْهِ بِسَقْيِ الماشِيَةِ ؟ قُلْنا: لَيْسَ في القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ أباهُما كانَ شُعَيْبًا، والنّاسُ مُخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّ أباهُما هو بَيْرُونُ ابْنُ أخِي شُعَيْبٍ، وشُعَيْبٌ ماتَ بَعْدَما عَمِيَ، وهو اخْتِيارُ أبِي عَبِيدٍ. وقالَ الحَسَنُ: إنَّهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ قَبِلَ الدِّينَ عَنْ شُعَيْبٍ. عَلى أنّا وإنْ سَلَّمْنا أنَّهُ كانَ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَكِنْ لا مَفْسَدَةَ فِيهِ؛ لِأنَّ الدِّينَ لا يَأْباهُ، وأمّا المُرُوءَةُ فالنّاسُ فِيها مُخْتَلِفُونَ، وأحْوالُ أهْلِ البادِيَةِ غَيْرُ أحْوالِ أهْلِ الحَضَرِ، لا سِيَّما إذا كانَتِ الحالَةُ حالَةَ الضَّرُورَةِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ فالمَعْنى: إنِّي لِأيِّ شَيْءٍ أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ غَثٍّ أوْ سَمِينٍ لَفَقِيرٌ، وإنَّما عَدّى فَقِيرًا بِاللّامِ؛ لِأنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى سائِلٍ وطالِبٍ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَدُلُّ عَلى الحاجَةِ، إمّا إلى الطَّعامِ أوْ إلى غَيْرِهِ، إلّا أنَّ المُفَسِّرِينَ حَمَلُوهُ عَلى الطَّعامِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ طَعامًا يَأْكُلُهُ، وقالَ الضَّحّاكُ: مَكَثَ سَبْعَةَ أيّامٍ لَمْ يَذُقْ فِيها طَعامًا إلّا بَقْلَ الأرْضِ. ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ ذَلِكَ رَفَعَ صَوْتَهُ لِيُسْمِعَ المَرْأتَيْنِ ذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا بَقِيَ مَعَهُ مِنَ القُوَّةِ ما قَدَرَ بِها عَلى حَمْلِ ذَلِكَ الدَّلْوِ العَظِيمِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِمَّتِهِ العالِيَةِ أنْ يَطْلُبَ الطَّعامَ، ألَيْسَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ ولا لِذِي قُوَّةٍ سَوِيٍّ» “ ؟ قُلْنا: أمّا رَفْعُ الصَّوْتِ بِذَلِكَ لِإسْماعِ المَرْأتَيْنِ وطَلَبِ الطَّعامِ، فَذاكَ لا يَلِيقُ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ البَتَّةَ، فَلا تُقْبَلُ تِلْكَ الرِّوايَةُ ولَكِنْ لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ ذَلِكَ في نَفْسِهِ مَعَ رَبِّهِ تَعالى، وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ: كَأنَّهُ قالَ: رَبِّ إنِّي بِسَبَبِ ما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرِ الدِّينِ صِرْتُ فَقِيرًا

صفحة ٢٠٦

فِي الدُّنْيا لِأنَّهُ كانَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ في مُلْكٍ وثَرْوَةٍ، فَقالَ ذَلِكَ رِضًى بِهَذا البَدَلِ وفَرَحًا بِهِ وشُكْرًا لَهُ، وهَذا التَّأْوِيلُ ألْيَقُ بِحالِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ فَقَوْلُهُ ﴿عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ مُسْتَحْيِيَةً، قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: قَدِ اسْتَتَرَتْ بِكُمِّ قَمِيصِها، وقِيلَ: ماشِيَةٌ عَلى بُعْدٍ، مائِلَةٌ عَنِ الرِّجالِ. وقالَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أبِي حازِمٍ: عَلى إجْلالٍ لَهُ، ومِنهم مَن يَقِفُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿تَمْشِي﴾ ثُمَّ يَبْتَدِئُ، فَيَقُولُ: ﴿عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ قالَتْ: ﴿إنَّ أبِي يَدْعُوكَ﴾ يَعْنِي أنَّها عَلى الِاسْتِحْياءِ قالَتْ هَذا القَوْلَ؛ لِأنَّ الكَرِيمَ إذا دَعا غَيْرَهُ إلى الضِّيافَةِ يَسْتَحْيِي، لا سِيَّما المَرْأةُ وفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى أنَّ شُعَيْبًا لَمْ يَكُنْ لَهُ مُعِينٌ سِواهُما. ورُوِيَ أنَّهُما لَمّا رَجَعَتا إلى أبِيهِما قَبْلَ النّاسِ، قالَ لَهُما: ما أعْجَلَكُما، قالَتا: وجَدْنا رَجُلًا صالِحًا رَحِمَنا فَسَقى لَنا، فَقالَ لِإحْداهُما: اذْهَبِي فادْعِيهِ لِي.

أمّا الِاخْتِلافُ في أنَّ ذَلِكَ الشَّيْخَ كانَ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ غَيْرَهُ فَقَدْ تَقَدَّمَ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ شُعَيْبٌ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ في البِنْتَيْنِ: اسْمُ الكُبْرى صَفُورا، والصُّغْرى لِيا. وقالَ غَيْرُهُ: صَفْرا وصَفِيرا، وقالَ الضَّحّاكُ: صافُورا، والَّتِي جاءَتْ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هي الكُبْرى عَلى قَوْلِ الأكْثَرِينَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الصُّغْرى، ولَيْسَ في القُرْآنِ دَلالَةٌ عَلى شَيْءٍ مِن