< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


القِصَّةُ الأُولى: قِصَّةُ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ

أمّا قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ مُوسى لِأهْلِهِ﴾ فَيَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ غَيْرُ امْرَأتِهِ ابْنَةِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ كَنّى اللَّهُ تَعالى عَنْها بِالأهْلِ فَتَبِعَ ذَلِكَ وُرُودُ الخِطابِ عَلى لَفْظِ الجَمْعِ وهو قَوْلُهُ ﴿امْكُثُوا﴾ .

أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ فالمَعْنى أنَّهُما كانا يَسِيرانِ لَيْلًا، وقَدِ اشْتَبَهَ الطَّرِيقُ عَلَيْهِما والوَقْتُ وقْتُ بَرْدٍ وفي مِثْلِ هَذا الحالِ تَقْوى النَّفْسُ بِمُشاهَدَةِ نارٍ مِن بُعْدٍ لِما يُرْجى فِيها مِن زَوالِ الحَيْرَةِ في أمْرِ الطَّرِيقِ، ومِنَ الِانْتِفاعِ بِالنّارِ لِلِاصْطِلاءِ فَلِذَلِكَ بَشَّرَها فَقالَ: ﴿إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ وقَدِ اخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: المُرادُ أبْصَرْتُ ورَأيْتُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ صادَفْتُ ووَجَدْتُ فَآنَسْتُ بِهِ، والأوَّلُ أقْرَبُ، لِأنَّهم لا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ قَوْلِ القائِلِ: آنَسْتُ بِبَصَرِي، ورَأيْتُ بِبَصَرِي.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿سَآتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ فالخَبَرُ ما يُخْبَرُ بِهِ عَنْ حالِ الطَّرِيقِ لِأنَّهُ كانَ قَدْ ضَلَّ، ثُمَّ في الكَلامِ حَذْفٌ وهو أنَّهُ لَمّا أبْصَرَ النّارَ تَوَجَّهَ إلَيْها وقالَ: ﴿سَآتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ يَعْرِفُ بِهِ الطَّرِيقَ.

صفحة ١٥٦

أمّا قَوْلُهُ: ﴿أوْ آتِيكم بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ فالشِّهابُ الشُّعْلَةُ والقَبَسُ النّارُ المَقْبُوسَةُ. وأضافَ الشِّهابَ إلى القَبَسِ لِأنَّهُ يَكُونُ قَبَسًا وغَيْرَ قَبَسٍ، ومَن قَرَأ بِالتَّنْوِينِ جَعَلَ القَبَسَ بَدَلًا أوْ صِفَةً لِما فِيهِ مِن مَعْنى القَبَسِ ثُمَّ هَهُنا أسْئِلَةٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: ﴿سَآتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ و﴿لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ كالمُتَدافِعَيْنِ لِأنَّ أحَدَهُما تَرَجٍّ والآخِرَ تَيَقُّنٌ ؟ نَقُولُ: جَوابُهُ: قَدْ يَقُولُ الرّاجِي إذا قَوِيَ رَجاؤُهُ سَأفْعَلُ كَذا وسَيَكُونُ كَذا مَعَ تَجْوِيزِهِ الخَيْبَةَ.

السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ جاءَ بِسِينِ التَّسْوِيفِ ؟ جَوابُهُ: عِدَةٌ مِنهُ لِأهْلِهِ أنَّهُ يَأْتِيهِمْ بِهِ وإنْ أبْطَأ أوْ كانَتِ المَسافَةُ بَعِيدَةً.

السُّؤالُ الثّالِثُ: لِماذا أدْخَلَ ”أوْ“ بَيْنَ الأمْرَيْنِ وهَلّا جَمَعَ بَيْنَهُما لِحاجَتِهِ إلَيْهِما مَعًا ؟ جَوابُهُ: بَنى الرَّجاءَ عَلى أنَّهُ إنْ لَمْ يَظْفَرْ بِهَذَيْنِ المَقْصُودَيْنِ ظَفِرَ بِأحَدِهِما، إمّا هِدايَةُ الطَّرِيقِ، وإمّا اقْتِباسُ النّارِ ثِقَةً بِعادَةِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ لا يَكادُ يَجْمَعُ بَيْنَ حِرْمانَيْنِ عَلى عَبْدِهِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ فالمَعْنى لِكَيْ تَصْطَلُونَ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى حاجَةٍ بِهِمْ إلى الِاصْطِلاءِ وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا في حالِ بَرْدٍ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ:

البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ ﴿أنْ﴾ هي المُفَسِّرَةُ لِأنَّ النِّداءَ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ، والمَعْنى قِيلَ لَهُ: بُورِكَ.

البَحْثُ الثّانِي: اخْتَلَفُوا فِيمَن في النّارِ عَلى وُجُوهٍ:

أحَدُها: ﴿أنْ بُورِكَ﴾ بِمَعْنى تَبارَكَ و﴿النّارِ﴾ بِمَعْنى النُّورِ والمَعْنى: تَبارَكَ مَن في النُّورِ، وذَلِكَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿ومَن حَوْلَها﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وإنْ كُنّا نَقْطَعُ بِأنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ مَوْضُوعَةٌ مُخْتَلَقَةٌ.

وثانِيها: ﴿مَن في النّارِ﴾ هو نُورُ اللَّهِ، ﴿ومَن حَوْلَها﴾ المَلائِكَةُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ والزَّجّاجِ.

وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى ناداهُ بِكَلامٍ سَمِعَهُ مِنَ الشَّجَرَةِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ فَكانَتِ الشَّجَرَةُ مَحَلًّا لِلْكَلامِ، واللَّهُ هو المُكَلِّمُ لَهُ بِأنَّ فِعْلَهُ فِيهِ دُونَ الشَّجَرَةِ. ثُمَّ إنَّ الشَّجَرَةَ كانَتْ في النّارِ ومَن حَوْلَها مَلائِكَةٌ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها﴾ وهو قَوْلُ الجُبّائِيُّ.

ورابِعُها: ﴿مَن في النّارِ﴾ هو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِقُرْبِهِ مِنها ﴿ومَن حَوْلَها﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ، وهَذا أقْرَبُ لِأنَّ القَرِيبَ مِنَ الشَّيْءِ قَدْ يُقالُ إنَّهُ فِيهِ.

وخامِسُها: قَوْلُ صاحِبِ ”الكَشّافِ“: ﴿بُورِكَ مَن في النّارِ﴾أيْ مَن في مَكانِ النّارِ ومَن حَوْلَ مَكانِها هي البُقْعَةُ الَّتِي حَصَلَتْ فِيها وهي البُقْعَةُ