< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


عَلى هَذا الوجه لَمْ يَكُنْ في الحَقِيقَةِ مُهْتَدِيًا بِالقُرْآنِ، أمّا مَن كانَ حازِمًا بِالآخِرَةِ كانَ مُهْتَدِيًا بِهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ هَذا القَيْدَ.

الثّانِي: أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ جُمْلَةً اعْتِراضِيَّةً كَأنَّهُ قِيلَ: وهَؤُلاءِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ ويَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ مِن إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ هُمُ المُوقِنُونَ بِالآخِرَةِ، وهَذا هو الأقْرَبُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ عَقَدَ جُمْلَةً ابْتِدائِيَّةً وكَرَّرَ فِيها المُبْتَدَأ الَّذِي هو ”هم“ حَتّى صارَ مَعْناها وما يُوقِنُ بِالآخِرَةِ حَقَّ الإيقانِ إلّا هَؤُلاءِ الجامِعُونَ بَيْنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، لِأنَّ خَوْفَ العاقِبَةِ يَحْمِلُهم عَلى تَحَمُّلِ المَشاقِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنّا لَهم أعْمالَهم فَهم يَعْمَهُونَ﴾﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهم سُوءُ العَذابِ وهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ ما لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ البُشْرى أتْبَعَهُ بِما عَلى الكُفّارِ مِن سُوءِ العَذابِ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنّا لَهم أعْمالَهُمْ﴾، واخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّهُ كَيْفَ أسْنَدَ تَزْيِينَ أعْمالِهِمْ إلى ذاتِهِ مَعَ أنَّهُ أسْنَدَهُ إلى الشَّيْطانِ في قَوْلِهِ: ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾[النحل: ٦٣] ؟ فَأمّا أصْحابُنا فَقَدْ أجْرَوُا الآيَةَ عَلى ظاهِرِها وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَفْعَلُ شَيْئًا البَتَّةَ إلّا إذا دَعاهُ الدّاعِي إلى الفِعْلِ والمَعْقُولُ مِنَ الدّاعِي هو العِلْمُ والِاعْتِقادُ والظَّنُّ بِكَوْنِ الفِعْلِ مُشْتَمِلًا عَلى مَنفَعَةٍ، وهَذا الدّاعِي لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى لِوَجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ كانَ مِن فِعْلِ العَبْدِ لافْتَقَرَ فِيهِ إلى داعٍ آخَرَ ويَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ.

الثّانِي: وهو أنَّ العِلْمَ إمّا أنْ يَكُونَ ضَرُورِيًّا أوْ كَسْبِيًّا، فَإنْ كانَ ضَرُورِيًّا فَلا بُدَّ فِيهِ مِن تَصَوُّرَيْنِ والتَّصَوُّرُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مُكْتَسَبًا لِأنَّ المُكْتَسِبَ إنْ كانَ شاعِرًا بِهِ فَهو مُتَصَوِّرٌ لَهُ، وتَحْصِيلُ الحاصِلِ مُحالٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ شاعِرًا بِهِ كانَ

صفحة ١٥٤

غافِلًا عَنْهُ والغافِلُ عَنِ الشَّيْءِ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ طالِبًا لَهُ، فَإنْ قُلْتَ: هو مَشْعُورٌ بِهِ مِن وجْهٍ دُونَ وجْهٍ، قُلْتُ: فالمَشْعُورُ بِهِ غَيْرُ ما هو غَيْرُ مَشْعُورٍ بِهِ، فَيَعُودُ التَّقْسِيمُ المُتَقَدِّمُ في كُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ التَّصَوُّرَ غَيْرُ مُكْتَسَبٍ البَتَّةَ والعِلْمَ الضَّرُورِيَّ هو الَّذِي يَكُونُ حُضُورُ كُلِّ واحِدٍ مِن تَصَوُّرَيْهِ كافِيًا في حُصُولِ التَّصْدِيقِ، فالتَّصَوُّراتُ غَيْرُ كَسَبِيَّةٍ وهي مُسْتَلْزِمَةٌ لِلتَّصْدِيقاتِ، فَإذَنْ مَتى حَصَلَتِ التَّصَوُّراتُ حَصَلَ التَّصْدِيقُ لا مَحالَةَ، ومَتى لَمْ تَحْصُلْ لَمْ يَحْصُلِ التَّصْدِيقُ البَتَّةَ، فَحُصُولُ هَذِهِ التَّصْدِيقاتِ البَدِيهِيَّةِ لَيْسَ بِالكَسْبِ، ثُمَّ إنَّ التَّصْدِيقاتِ البَدِيهِيَّةَ إنْ كانَتْ مُسْتَلْزِمَةً لِلتَّصْدِيقاتِ النَّظَرِيَّةِ لَمْ تَكُنِ التَّصْدِيقاتُ النَّظَرِيَّةُ كَسَبِيَّةً، لِأنَّ لازِمَ الضَّرُورِيِّ ضَرُورِيٌّ، وإنْ لَمْ تَكُنْ مُسْتَلْزِمَةً لَها لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الأشْياءُ الَّتِي فَرَضْناها عُلُومًا نَظَرِيَّةً كَذَلِكَ بَلْ هي اعْتِقاداتٌ تَقْلِيدِيَّةٌ، لِأنَّهُ لا مَعْنى لِاعْتِقادِ المُقَلِّدِ إلّا اعْتِقادٌ تَحْسِينِيٌّ يَفْعَلُهُ ابْتِداءً مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ مُوجِبٌ فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ العُلُومَ بِأسْرِها ضَرُورِيَّةٌ، وثَبَتَ أنَّ مَبادِئَ الأفْعالِ هي العُلُومُ، فَأفْعالُ العِبادِ بِأسْرِها ضَرُورِيَّةٌ، والإنْسانُ مُضْطَرٌّ في صُورَةِ مُخْتارٍ، فَثَبَتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى هو الَّذِي زَيَّنَ لِكُلِّ عامِلٍ عَمَلَهُ. والمُرادُ مِنَ التَّزْيِينِ هو أنَّهُ يَخْلُقُ في قَلْبِهِ العِلْمَ بِما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ واللَّذّاتِ ولا يَخْلُقُ في قَلْبِهِ العِلْمَ بِما فِيهِ مِنَ المَضارِّ والآفاتِ، فَقَدْ ثَبَتَ بِهَذِهِ الدَّلائِلِ القاطِعَةِ العَقْلِيَّةِ وُجُوبُ إجْراءِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها، أمّا المُعْتَزِلَةُ فَإنَّهم ذَكَرُوا في تَأْوِيلِها وُجُوهًا:

أحَدُها: أنَّ المُرادَ بَيَّنّا لَهم أمْرَ الدِّينِ وما يَلْزَمُهم أنْ يَتَمَسَّكُوا بِهِ وزَيَّنّاهُ بِأنْ بَيَّنّا حُسْنَهُ وما لَهم فِيهِ مِنَ الثَّوابِ، لِأنَّ التَّزْيِينَ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلْعَمَلِ لَيْسَ إلّا وصْفُهُ