< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah027
An-Naml (27)
The Ant, makkah, 93 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
وطُلُوعَها يَدُلّانِ عَلى كَوْنِها تَحْتَ تَدْبِيرِ مُدَبِّرٍ قاهِرٍ فَكانَتِ العِبادَةُ لِقاهِرِها والمُتَصَرِّفِ فِيها أوْلى، وأمّا إخْراجُ الخَبْءِ مِنَ الأرْضِ فَهو يَتَناوَلُ إخْراجَ النُّطْفَةِ مِنَ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ وتَكْوِينَ الجَنِينِ مِنهُ، فَإنْ قِيلَ: إنَّ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ قَدَّما دَلالَةَ الأنْفُسِ عَلى دَلالَةِ الآفاقِ فَإنَّ إبْراهِيمَ قالَ:﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ ثم قال: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ﴾ ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾[الشعراء: ٢٦] ثم قال: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ فَلِمَ كانَ الأمْرُ هَهُنا بِالعَكْسِ فَقَدَّمَ خَبْءَ السَّماواتِ عَلى خَبْءِ الأرْضِ ؟ جَوابُهُ: أنَّ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ ناظَرا مَعَ مَنِ ادَّعى إلَهِيَّةَ البَشَرِ، فَلا جَرَمَ ابْتَدَءا بِإبْطالِ إلَهِيَّةِ البَشَرِ ثُمَّ انْتَقَلا إلى إبْطالِ إلَهِيَّةِ السَّماواتِ، وهَهُنا المُناظَرَةُ مَعَ مَنِ ادَّعى إلَهِيَّةَ الشَّمْسِ لِقَوْلِهِ:
صفحة ١٦٦
﴿وجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَلا جَرَمَ ابْتَدَأ بِذِكْرِ السَّماوِيّاتِ ثُمَّ بِالأرْضِيّاتِ.أمّا قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ فالمُرادُ مِنهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ افْتِقارَ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إلى المُدَبِّرِ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ ما هو أعْظَمُ الأجْسامِ فَهي مَخْلُوقَةٌ ومَرْبُوبَةٌ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ هو المُنْتَهى في القُدْرَةِ والرُّبُوبِيَّةِ إلى ما لا يَزِيدُ عَلَيْهِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المسألة الرّابِعَةُ: قِيلَ مِن ”أحَطْتُ“ إلى ”العَظِيمِ“ كَلامُ الهُدْهُدِ وقِيلَ كَلامُ رَبِّ العِزَّةِ.
* * *
المسألة الخامِسَةُ: الحَقُّ أنَّ سَجْدَةَ التِّلاوَةِ واجِبَةٌ في القِراءَتَيْنِ جَمِيعًا وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِما لِأنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّ سَجَداتِ القُرْآنِ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً، وهَذا واحِدٌ مِنها ولِأنَّ مَواضِعَ السَّجْدَةِ إمّا أمْرٌ بِها أوْ مَدْحٌ لِمَن أتى بِها أوْ ذَمٌّ لِمَن تَرَكَها، وإحْدى القِراءَتَيْنِ أمْرٌ بِالسُّجُودِ والأُخْرى ذَمٌّ لِلتّارِكِ فَثَبَتَ أنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ مِن وُجُوبِ السَّجْدَةِ مَعَ التَّخْفِيفِ دُونَ التَّشْدِيدِ غَيْرُ مُلْتَفَتٍ إلَيْهِ.المسألة السّادِسَةُ: يُقالُ: هَلْ يُفَرِّقُ الواقِفُ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ ؟ جَوابُهُ: نَعَمْ إذا خَفَّفَ وقَفَ عَلى ﴿فَهم لا يَهْتَدُونَ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ بِ (?ألا يَسْجُدُوا ) وإنْ شاءَ وقَفَ عَلى ”ألا يا“ ثُمَّ ابْتَدَأ ”اسْجُدُوا“ وإذا شَدَّدَ لَمْ يَقِفْ إلّا عَلى ”العَرْشِ العَظِيمِ“ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿سَنَنْظُرُ﴾ فَمِنَ النَّظَرِ الَّذِي هو التَّأمُّلُ، وأرادَ صَدَقْتَ أمْ كَذَبْتَ إلّا أنَّ ﴿أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ أبْلَغُ، لِأنَّهُ إذا كانَ مَعْرُوفًا بِالكَذِبِ كانَ مُتَّهَمًا بِالكَذِبِ فِيما أخْبَرَ بِهِ فَلَمْ يُوثَقْ بِهِ، وإنَّما قالَ: ﴿فَألْقِهِ إلَيْهِمْ﴾ عَلى لَفْظِ الجَمْعِ لِأنَّهُ قالَ: ﴿وجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ﴾ فَقالَ: ﴿فَألْقِهِ إلَيْهِمْ﴾ أيْ إلى الَّذِينَ هَذا دِينُهم.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أيْ تَنَحَّ عَنْهم إلى مَكانٍ قَرِيبٍ تَتَوارى فِيهِ لِيَكُونَ ما يَقُولُونَهُ بِمَسْمَعٍ مِنكَ و﴿يَرْجِعُونَ﴾ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ﴾[سبأ: ٣٠] ويُقالُ دَخَلَ عَلَيْها مِن كُوَّةٍ وألْقى إلَيْها الكِتابَ وتَوارى في الكُوَّةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ ياأيُّها المَلَأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾﴿ألّا تَعْلُوا عَلَيَّ وأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾﴿قالَتْ ياأيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في أمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا حَتّى تَشْهَدُونِ﴾﴿قالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ والأمْرُ إلَيْكِ فانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قالَتْ ياأيُّها المَلَأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ بِمَعْنى أنْ يُقالَ: إنَّ الهُدْهُدَ ألْقى إلَيْها الكِتابَ فَهو مَحْذُوفٌ كَأنَّهُ ثابِتٌ، رُوِيَ أنَّها كانَتْ إذا رَقَدَتْ غَلَّقَتِ الأبْوابَ ووَضَعَتِ المَفاتِيحَ تَحْتَ رَأْسِها فَدَخَلَ مِن كُوَّةٍ وطَرَحَ الكِتابَ عَلى نَحْرِها وهي مُسْتَلْقِيَةٌ، وقِيلَ نَقَرَها فانْتَبَهَتْ فَزِعَةً.
صفحة ١٦٧