< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾[البقرة: ٢٣] .

وثانِيها: لَمّا تَعَيَّنَ ذَلِكَ طَرِيقًا إلى كَشْفِ الشُّبْهَةِ صارَ جائِزًا.

وثالِثُها: أنَّ هَذا لَيْسَ بِأمْرٍ بَلْ هو تَهْدِيدٌ، أيْ إنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ أتَيْنا بِما تُبْطِلُهُ، كَقَوْلِ القائِلِ: لَئِنْ رَمَيْتَنِي لَأفْعَلَنَّ ولَأصْنَعَنَّ ثُمَّ يُفَوِّقُ لَهُ السَّهْمَ فَيَقُولُ لَهُ: ارْمِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنهُ تَهْدِيدًا.

ورابِعُها: ما ذَكَرْنا أنَّهم لَمّا تَواضَعُوا لَهُ وقَدَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ فَهو قَدَّمَهم عَلى نَفْسِهِ عَلى رَجاءِ أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ التَّواضُعُ سَبَبًا لِقَبُولِ الحَقِّ. ولَقَدْ حَصَلَ بِبَرَكَةِ ذَلِكَ التَّواضُعِ ذَلِكَ المَطْلُوبُ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ اللّائِقَ بِالمُسْلِمِ في كُلِّ الأحْوالِ التَّواضُعُ، لِأنَّ مِثْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا لَمْ يَتْرُكِ التَّواضُعَ مَعَ أُولَئِكَ السَّحَرَةِ، فَبِأنْ يَفْعَلَ الواحِدُ مِنّا أوْلى.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهُمْ﴾ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم لَمّا ألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم وقَدْ كانَتِ الحِبالُ مَطْلِيَّةً بِالزِّئْبَقِ والعِصِيُّ مُجَوَّفَةً مَمْلُوءَةً مِنَ الزِّئْبَقِ فَلَمّا حَمِيَتِ اشْتَدَّتْ حَرَكَتُها فَصارَتْ كَأنَّها حَيّاتٌ تَدِبُّ مِن كُلِّ جانِبٍ مِنَ الأرْضِ فَهابَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُ: ألْقِ ما في يَمِينِكَ ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ ثُمَّ فَتَحَتْ فاها فابْتَلَعَتْ كُلَّ ما رَمَوْهُ مِن حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ حَتّى أكَلَتِ الكُلَّ ثُمَّ أخَذَ مُوسى عَصاهُ، فَإذا هي كَما كانَتْ، فَلَمّا رَأتِ السَّحَرَةُ ذَلِكَ قالَتْ لِفِرْعَوْنَ: كُنّا نُساحِرُ النّاسَ فَإذا غَلَبْناهم بَقِيَتِ الحِبالُ والعِصِيُّ، وكَذَلِكَ إنْ غَلَبُونا، ولَكِنَّ هَذا حَقٌّ فَسَجَدُوا وآمَنُوا بِرَبِّ العالَمِينَ.

واعْلَمْ أنَّ في الآثارِ اخْتِلافًا فَمِنهم مَن كَثَّرَ الحِبالَ والعِصِيَّ، ومِنهم مَن تَوَسَّطَ واللَّهُ أعْلَمُ بِعَدَدِ ذَلِكَ، والَّذِي يَدُلُّ القُرْآنُ عَلَيْهِ أنَّها كَثِيرَةٌ مِن حَيْثُ حُشِرُوا مِن كُلِّ بَلَدٍ، ولِأنَّ الأمْرَ بَلَغَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ في العِظَمِ مَبْلَغًا يَبْعُدُ أنْ يَدَّخِرَ عَنْهُ ما يُمْكِنُ مِن جَمْعِ السَّحَرَةِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ﴾ فالمُرادُ أنَّهم أظْهَرُوا ما يَجْرِي مَجْرى القَطْعِ عَلى أنَّهم يَغْلِبُونَ، وكُلُّ ذَلِكَ لَمّا ظَهَرَ كانَ أقْوى لِأمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَألْقى مُوسى عَصاهُ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ ما يَقْلِبُونَهُ عَنْ وجْهِهِ وحَقِيقَتِهِ بِسِحْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ فَيُخَيِّلُونَ في حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ أنَّها حَيّاتٌ تَسْعى، وسَمّى تِلْكَ الأشْياءَ إفْكًا مُبالَغَةً.

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ فالمُرادُ خَرُّوا سُجَّدًا لِأنَّهم كانُوا في الطَّبَقَةِ العالِيَةِ مِن عِلْمِ السِّحْرِ،

صفحة ١١٧

فَلا جَرَمَ كانُوا عالِمِينَ بِمُنْتَهى السِّحْرِ، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ وشاهَدُوهُ خارِجًا عَنْ حَدِّ السِّحْرِ عَلِمُوا أنَّهُ لَيْسَ بِسِحْرٍ، وما كانَ ذَلِكَ إلّا بِبَرَكَةِ تَحْقِيقِهِمْ في عِلْمِ السِّحْرِ، ثُمَّ إنَّهم عِنْدَ ذَلِكَ لَمْ يَتَمالَكُوا أنْ رَمَوْا بِأنْفُسِهِمْ إلى الأرْضِ ساجِدِينَ كَأنَّهم أُخِذُوا فَطُرِحُوا طَرْحًا، فَإنْ قِيلَ فاعِلُ الإلْقاءِ ما هو لَوْ صَرَّحَ بِهِ ؟ جَوابُهُ: هو اللَّهُ تَعالى بِما حَصَلَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الدَّواعِي الجازِمَةِ الخالِيَةِ عَنِ المُعارَضاتِ ولَكِنَّ الأوْلى أنْ لا نُقَدِّرَ فاعِلًا لِأنَّ أُلْقِيَ بِمَعْنى: خَرَّ وسَقَطَ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ فَهو عَطْفُ بَيانٍ لِرَبِّ العالَمِينَ؛ لِأنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ فَأرادُوا عَزْلَهُ ومَعْنى إضافَتِهِ إلَيْهِما في ذَلِكَ المَقامِ أنَّهُ الَّذِي دَعا مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ إلَيْهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ولَأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾﴿قالُوا لا ضَيْرَ إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾﴿إنّا نَطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أنْ كُنّا أوَّلَ المُؤْمِنِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهم لَمّا