< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


الخالِقِ عَلى العَبْدِ ؟ أمّا قَوْلُهُ تَعالى:﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ فالعَيْبُ إنَّما وقَعَ عَلَيْهِمْ بِالعَجْزِ، فَلا جَرَمَ أنَّ كُلَّ مَن تَحَقَّقَ العَجْزُ في حَقِّهِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ لَمْ يَحْسُنْ عِبادَتُهُ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ فَقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لا يَقْوى اسْتِدْلالُ أصْحابِنا بِها لِاحْتِمالِ أنَّ العَيْبَ لا يَحْصُلُ إلّا بِمَجْمُوعِ أمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهم لَيْسُوا بِخالِقِينَ.

والثّانِي: أنَّهم مَخْلُوقُونَ.

والعَبْدُ وإنْ كانَ خالِقًا إلّا أنَّهُ مَخْلُوقٌ، فَلَزِمَ أنْ لا يَكُونَ إلَهًا مَعْبُودًا.

السُّؤالُ الثّالِثُ: هَلْ تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى البَعْثِ ؟

الجَوابُ: نَعَمْ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ النُّشُورَ، ومَعْناهُ أنَّ المَعْبُودَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى إيصالِ الثَّوابِ إلى المُطِيعِينَ، والعِقابِ إلى العُصاةِ، فَمَن لا يَكُونُ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا يَصْلُحَ لِلْإلَهِيَّةِ.

صفحة ٤٤

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا إفْكٌ افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾﴿وقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ إنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾﴿أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها وقالَ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ تَكَلَّمَ أوَّلًا في التَّوْحِيدِ، وثانِيًا في الرَّدِّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ، وثالِثًا في هَذِهِ الآيَةِ تَكَلَّمَ في مَسْألَةِ النُّبُوَّةِ، وحَكى سُبْحانَهُ شُبَهَهم في إنْكارِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ:

الشُّبْهَةُ الأُولى: قَوْلُهم: ﴿إنْ هَذا إلّا إفْكٌ افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾[النَّحْلِ: ١٠٣] واعْلَمْ أنَّهُ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدُوا بِهِ أنَّهُ كَذَبَ في نَفْسِهِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدُوا بِهِ أنَّهُ كَذَبَ في إضافَتِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ هَهُنا بَحْثانِ:

الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: الِافْتِراءُ افْتِعالٌ مِن فَرَيْتُ، وقَدْ يُقالُ في تَقْدِيرِ الأدِيمِ: فَرَيْتُ الأدِيمَ، فَإذا أُرِيدَ قَطْعُ الإفْسادِ قِيلَ: أفْرَيْتُ وافْتَرَيْتُ وخَلَقْتُ واخْتَلَقْتُ، ويُقالُ فِيمَن شَتَمَ امْرَأً بِما لَيْسَ فِيهِ: افْتَرى عَلَيْهِ.

البَحْثُ الثّانِي: قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، فَهو الَّذِي قالَ هَذا القَوْلَ.

﴿وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ يَعْنِي: عَدّاسٌ مَوْلى حُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ العُزّى، ويَسارٌ غُلامُ عامِرِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ، وجَبْرٌ مَوْلى عامِرٍ، وهَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ كانُوا مِن أهْلِ الكِتابِ، وكانُوا يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ ويُحَدِّثُونَ أحادِيثَ مِنها، فَلَمّا أسْلَمُوا وكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَعَهَّدُهم، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ قالَ النَّضْرُ ما قالَ.

واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أجابَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ . وفِيهِ أبْحاثٌ:

الأوَّلُ: أنَّ هَذا القَدْرَ إنَّما يَكْفِي جَوابًا عَنِ الشُّبْهَةِ المَذْكُورَةِ؛ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ كُلُّ عاقِلٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَحَدّاهم بِالقُرْآنِ، وهُمُ النِّهايَةُ في الفَصاحَةِ، وقَدْ بَلَغُوا في الحِرْصِ عَلى إبْطالِ أمْرِهِ كُلَّ غايَةٍ، حَتّى أخْرَجَهم ذَلِكَ إلى ما وصَفُوهُ بِهِ في هَذِهِ الآياتِ، فَلَوْ أمْكَنَهم أنْ يُعارِضُوهُ لَفَعَلُوا، ولَكانَ ذَلِكَ أقْرَبَ إلى أنْ يَبْلُغُوا مُرادَهم فِيهِ مِمّا أوْرَدُوهُ في هَذِهِ الآيَةِ وغَيْرِها، ولَوِ اسْتَعانَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ في ذَلِكَ بِغَيْرِهِ لَأمْكَنَهم أيْضًا أنْ يَسْتَعِينُوا بِغَيْرِهِمْ؛ لِأنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كَأُولَئِكَ المُنْكِرِينَ في مَعْرِفَةِ اللُّغَةِ وفي المَكِنَةِ مِنَ الِاسْتِعانَةِ، فَلَمّا لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ والحالَةُ هَذِهِ عُلِمَ أنَّ القُرْآنَ قَدْ بَلَغَ النِّهايَةَ في الفَصاحَةِ وانْتَهى إلى حَدِّ الإعْجازِ، ولَمّا تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الدَّلالَةُ مَرّاتٍ وكَرّاتٍ في القُرْآنِ وظَهَرَ بِسَبَبِها سُقُوطُ