< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah025
Al-Furqaan (25)
The Criterion, makkah, 77 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
اسْمٌ لِدارِ الثَّوابِ وهي مُخَلَّدَةٌ، فَأيُّ فائِدَةٍ في قَوْلِهِ:﴿جَنَّةُ الخُلْدِ﴾ ؟ قُلْنا: الإضافَةُ قَدْ تَكُونُ لِلتَّمْيِيزِ، وقَدْ تَكُونُ لِبَيانِ صِفَةِ الكَمالِ، كَما يُقالُ: اللَّهُ الخالِقُ البارِئُ، وما هُنا مِن هَذا البابِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿كانَتْ لَهم جَزاءً ومَصِيرًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:المسألة الأُولى: المُعْتَزِلَةُ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى إثْباتِ الِاسْتِحْقاقِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ اسْمَ الجَزاءِ لا يَتَناوَلُ إلّا المُسْتَحِقَّ، فَأمّا الوَعْدُ بِمَحْضِ التَّفْضِيلِ فَإنَّهُ لا يُسَمّى جَزاءً.
والثّانِي: لَوْ كانَ المُرادُ مِنَ الجَزاءِ الأمْرَ الَّذِي يَصِيرُونَ إلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الوَعْدِ، فَحِينَئِذٍ لا يَبْقى بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿جَزاءً﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ومَصِيرًا﴾ تَفاوُتٌ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ تَكْرارًا مِن غَيْرِ فائِدَةٍ.
قالَ أصْحابُنا رَحِمَهُمُ اللَّهُ: لا نِزاعَ في كَوْنِهِ ﴿جَزاءً﴾ إنَّما النِّزاعُ في أنَّ كَوْنَهُ جَزاءً ثَبَتَ بِالوَعْدِ أوْ بِالِاسْتِحْقاقِ، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى التَّعْيِينِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَعْفُو عَنْ صاحِبِ الكَبِيرَةِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ يَسْتَحِقُّ العِقابَ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ مُسْتَحِقًّا لِلثَّوابِ؛ لِأنَّ الثَّوابَ هو النَّفْعُ الدّائِمُ الخالِصُ عَنْ شَوْبِ الضَّرَرِ، والعِقابُ هو الضَّرَرُ الدّائِمُ الخالِصُ عَنْ شَوْبِ النَّفْعِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما مُحالٌ، وما كانَ مُمْتَنِعَ الوُجُودِ امْتَنَعَ أنْ يَحْصُلَ اسْتِحْقاقُهُ، فَإذَنْ مَتى ثَبَتَ اسْتِحْقاقُ العِقابِ وجَبَ أنْ يَزُولَ اسْتِحْقاقُ الثَّوابِ. فَنَقُولُ: لَوْ عَفا اللَّهُ عَنْ صاحِبِ الكَبِيرَةِ لَكانَ إمّا أنْ يُخْرِجَهُ مِنَ النّارِ ولا يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وذَلِكَ باطِلٌ بِالإجْماعِ لِأنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّ المُكَلَّفِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، إمّا أنْ يَكُونُوا مِن أهْلِ الجَنَّةِ أوْ مِن أهْلِ النّارِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾[الشُّورى: ٧] وإمّا أنْ يُخْرِجَهُ مِنَ النّارِ ويُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وذَلِكَ باطِلٌ؛ لِأنَّ الجَنَّةَ حَقُّ المُتَّقِينَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كانَتْ لَهم جَزاءً ومَصِيرًا﴾ فَجَعَلَ الجَنَّةَ لَهم ومُخْتَصَّةً بِهِمْ، وبَيَّنَ أنَّها إنَّما كانَتْ لَهم لِكَوْنِها جَزاءً لَهم عَلى أعْمالِهِمْ، فَكانَتْ حَقًّا لَهم، وإعْطاءُ حَقِّ الإنْسانِ لِغَيْرِهِ لا يَجُوزُ، ولَمّا بَطَلَتِ الأقْسامُ ثَبَتَ أنَّ العَفْوَ غَيْرُ جائِزٍ. أجابَ أصْحابُنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: المُتَّقُونَ يَرْضَوْنَ بِإدْخالِ اللَّهِ أهْلَ العَفْوِ في الجَنَّةِ ؟ فَحِينَئِذٍ لا يَمْتَنِعُ دُخُولُهم فِيها.
الوجه الثّانِي: قالُوا: المُتَّقِي في عُرْفِ الشَّرْعِ مُخْتَصٌّ بِمَنِ اتَّقى الكُفْرَ والكَبائِرَ، وإنِ اخْتَلَفْنا في أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ هَلْ يُسَمّى مُؤْمِنًا أمْ لا، لَكِنّا اتَّفَقْنا عَلى أنَّهُ لا يُسَمّى مُتَّقِيًا، ثم قال في وصْفِ الجَنَّةِ: إنَّها كانَتْ لَهم جَزاءً ومَصِيرًا، وهَذا لِلْحَصْرِ، والمَعْنى أنَّها مَصِيرٌ لِلْمُتَّقِينَ لا لِغَيْرِهِمْ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا يَدْخُلَها صاحِبُ الكَبِيرَةِ، قُلْنا: أقْصى ما في البابِ أنَّ هَذا العُمُومَ صَرِيحٌ في الوَعِيدِ، فَتَخُصُّهُ بِآياتِ الوَعْدِ.
المسألة الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ الجَنَّةَ سَتَصِيرُ لِلْمُتَّقِينَ جَزاءً ومَصِيرًا، لَكِنَّها بَعْدَما صارَتْ كَذَلِكَ، فَلِمَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كانَتْ لَهم جَزاءً ومَصِيرًا﴾ ؟ جَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ ما وعَدَ اللَّهُ فَهو في تَحَقُّقِهِ كَأنَّهُ قَدْ كانَ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ مَكْتُوبًا في اللَّوْحِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأزْمِنَةٍ مُتَطاوِلَةٍ أنَّ الجَنَّةَ جَزاؤُهم ومَصِيرُهم.
* * *
صفحة ٥٢
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ خالِدِينَ﴾ فَهو نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكُمْ﴾[فُصِّلَتْ: ٣١] وفِيهِ مَسائِلُ:المسألة الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: أهْلُ الدَّرَجاتِ النّازِلَةِ إذا شاهَدُوا الدَّرَجاتِ العالِيَةَ لا بُدَّ وأنْ يُرِيدُوها، فَإذا سَألُوها رَبَّهم، فَإنْ أعْطاهم إيّاها لَمْ يَبْقَ بَيْنَ النّاقِصِ والكامِلِ تَفاوُتٌ في الدَّرَجَةِ، وإنْ لَمْ يُعْطِها قَدَحَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿لَهم فِيها