< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


بِالتَّذْكِرَةِ؛ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِها وإنْ كانَ ذَلِكَ عامًّا في الجَمِيعِ وهو كَقَوْلِهِ:﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾[البقرة: ٢] وقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾[الفرقان: ١] وقالَ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهم فَهم غافِلُونَ﴾[يس: ٦] وقالَ: ﴿وتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾[مريم: ٩٧] وقالَ: ﴿وذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾[الذّارِياتِ: ٥٥] .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: وجْهُ كَوْنِ القُرْآنِ تَذْكِرَةً أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَعِظُهم بِهِ وبِبَيانِهِ فَيَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ ﴿لِمَن يَخْشى﴾ الرَّسُولُ ﷺ؛ لِأنَّهُ في الخَشْيَةِ والتَّذْكِرَةِ بِالقُرْآنِ كانَ فَوْقَ الكُلِّ.

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في نَصْبِ تَنْزِيلًا وُجُوهًا:

أحَدُها: تَقْدِيرُهُ نُزِّلَ تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ فَنُصِبَ تَنْزِيلًا بِمُضْمَرٍ.

وثانِيها: أنْ يُنْصَبَ بِأنْزَلْنا؛ لِأنَّ مَعْنى ما أنْزَلْناهُ إلّا تَذْكِرَةً - أنْزَلْناهُ تَذْكِرَةً.

وثالِثُها: أنْ يُنْصَبَ عَلى المَدْحِ والِاخْتِصاصِ.

ورابِعُها: أنْ يُنْصَبَ بِيَخْشى مَفْعُولًا بِهِ أيْ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى: ﴿تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ تَنْزِيلَ اللَّهِ وهو مَعْنًى حَسَنٌ وإعْرابٌ بَيِّنٌ وقُرِئَ تَنْزِيلٌ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: فائِدَةُ الِانْتِقالِ مِن لَفْظِ التَّكَلُّمِ إلى لَفْظِ الغَيْبَةِ أُمُورٌ:

أحَدُها: أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ لا يُمْكِنُ ذِكْرُها إلّا مَعَ الغَيْبَةِ.

وثانِيها: أنَّهُ قالَ أوَّلًا أنْزَلْنا فَفَخَّمَ بِالإسْنادِ إلى ضَمِيرِ الواحِدِ المُطاعِ ثُمَّ ثَنّى بِالنِّسْبَةِ إلى المُخْتَصِّ بِصِفاتِ العَظَمَةِ والتَّمْجِيدِ فَتَضاعَفَتِ الفَخامَةُ مِن طَرِيقَيْنِ.

وثالِثُها: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أنْزَلْنا حِكايَةً لِكَلامِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والمَلائِكَةِ النّازِلِينَ مَعَهُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى عَظَّمَ حالَ القُرْآنِ بِأنْ نَسَبَهُ إلى أنَّهُ تَنْزِيلٌ مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ وخَلَقَ السَّماواتِ عَلى عُلُوِّها، وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّ تَعْظِيمَ اللَّهِ تَعالى يَظْهَرُ بِتَعْظِيمِ خَلْقِهِ ونِعَمِهِ، وإنَّما عَظَّمَ القُرْآنَ تَرْغِيبًا في تَدَبُّرِهِ والتَّأمُّلِ في مَعانِيهِ وحَقائِقِهِ وذَلِكَ مُعْتادٌ في الشّاهِدِ فَإنَّهُ تَعْظُمُ الرِّسالَةُ بِتَعْظِيمِ حالِ المُرْسَلِ لِيَكُونَ المُرْسَلُ إلَيْهِ أقْرَبَ إلى الِامْتِثالِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: يُقالُ سَماءٌ عُلْيا وسَماواتٌ عُلًا وفائِدَةُ وصْفِ السَّماواتِ بِالعُلا الدَّلالَةُ عَلى عِظَمِ قُدْرَةِ مَن

صفحة ٦

يَخْلُقُ مِثْلَها في عُلُوِّها وبُعْدِ مُرْتَقاها.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ (الرَّحْمَنِ) مَجْرُورًا صِفَةً لِمَن خَلَقَ، والرَّفْعُ أحْسَنُ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلى المَدْحِ والتَّقْدِيرُ هو الرَّحْمَنُ، وإمّا أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً مُشارًا بِلامِهِ إلى مَن خَلَقَ فَإنْ قِيلَ الجُمْلَةُ الَّتِي هي عَلى العَرْشِ اسْتَوى ما مَحَلُّها إذا جَرَرْتَ الرَّحْمَنَ أوْ رَفَعْتَهُ عَلى المَدْحِ ؟ قُلْنا: إذا جَرَرْتَ فَهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ لا غَيْرُ، وإنْ رَفَعْتَ جازَ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، وأنْ يَكُونَ مَعَ الرَّحْمَنِ خَبَرَيْنِ لِلْمُبْتَدَأِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُشَبِّهَةُ تَعَلَّقَتْ بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ مَعْبُودَهم جالِسٌ عَلى العَرْشِ وهَذا باطِلٌ بِالعَقْلِ والنَّقْلِ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى كانَ ولا عَرْشَ ولا مَكانَ، ولَمّا خَلَقَ الخَلْقَ لَمْ يَحْتَجْ إلى مَكانٍ بَلْ كانَ غَنِيًّا عَنْهُ، فَهو بِالصِّفَةِ الَّتِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْها إلّا أنْ يَزْعُمَ زاعِمٌ أنَّهُ لَمْ يَزَلْ مَعَ اللَّهِ عَرَشٌ.

وثانِيها: أنَّ الجالِسَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ الجُزْءُ الحاصِلُ مِنهُ في يَمِينِ العَرْشِ غَيْرَ الحاصِلِ في يَسارِ العَرْشِ، فَيَكُونَ في نَفْسِهِ مُؤَلَّفًا مُرَكَّبًا وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ احْتاجَ إلى المُؤَلِّفِ والمُرَكِّبِ وذَلِكَ مُحالٌ.

وثالِثُها: أنَّ الجالِسَ عَلى العَرْشِ إمّا أنْ يَكُونَ مُتَمَكِّنًا مِنَ الِانْتِقالِ والحَرَكَةِ أوْ لا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ فَقَدْ صارَ مَحَلَّ الحَرَكَةِ والسُّكُونِ فَيَكُونُ مُحْدَثًا لا مَحالَةَ، وإنْ كانَ الثّانِي كانَ كالمَرْبُوطِ