< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا﴾ (الأحْزابِ: ٣٦) وقالَ:

صفحة ٧٧

﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ (الأحْزابِ: ٥٧) فَجَعَلَ بَيْعَةَ مُحَمَّدٍ -ﷺ- بَيْعَةً مَعَ اللَّهِ، ورِضاءَ مُحَمَّدٍ -ﷺ- رِضاءَ اللَّهِ، وإيذاءَ مُحَمَّدٍ -ﷺ- إيذاءَ اللَّهِ، فَلا جَرَمَ كانَتْ دَرَجَةُ مُحَمَّدٍ -ﷺ- أعْلى الدَّرَجاتِ إلى أبْلَغِ الغاياتِ فَكَذا هَهُنا لَمّا قالَ: «”مَن آذى لِي ولِيًّا فَقَدْ بارَزَنِي بِالمُحارَبَةِ“» دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ إيذاءَ الوَلِيِّ قائِمًا مَقامَ إيذاءِ نَفْسِهِ، ويَتَأكَّدُ هَذا بِالخَبَرِ المَشْهُورِ أنَّهُ تَعالى يَقُولُ يَوْمَ القِيامَةِ: «مَرِضْتَ فَلَمْ تَعُدْنِي، اسْتَسْقَيْتُكَ فَما سَقَيْتَنِي، اسْتَطْعَمْتُكَ فَما أطْعَمْتَنِي، فَيَقُولُ: يا رَبِّ كَيْفَ أفْعَلُ هَذا وأنْتَ رَبُّ العالَمِينَ ؟ فَيَقُولُ: إنَّ عَبْدِي فُلانًا مَرِضَ، فَلَمْ تَعُدْهُ، أما عَلِمْتَ أنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي» وكَذا في السَّقْيِ والإطْعامِ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الأخْبارُ عَلى أنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ يَبْلُغُونَ إلى هَذِهِ الدَّرَجاتِ، فَأيُّ بُعْدٍ في أنْ يُعْطِيَهُ اللَّهُ كِسْرَةَ خُبْزٍ أوْ شَرْبَةَ ماءٍ أوْ يُسَخِّرَ لَهُ كَلْبًا أوْ ورْدًا.

الحُجَّةُ الخامِسَةُ: أنّا نُشاهِدُ في العُرْفِ أنَّ مَن خَصَّهُ المَلِكُ بِالخِدْمَةِ الخاصَّةِ وأذِنَ لَهُ في الدُّخُولِ عَلَيْهِ في مَجْلِسِ الأُنْسِ، فَقَدْ يَخُصُّهُ أيْضًا بِأنْ يُقَدِّرَهُ عَلى ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، بَلِ العَقْلُ السَّلِيمُ يَشْهَدُ بِأنَّهُ مَتى حَصَلَ ذَلِكَ القُرْبُ، فَإنَّهُ يَتْبَعُهُ هَذِهِ المَناصِبُ، فَجَعَلَ القُرْبَ أصْلًا والمَنصِبَ تَبَعًا، وأعْظَمُ المُلُوكِ هو رَبُّ العالَمِينَ، فَإذا شَرَّفَ عَبْدًا بِأنَّهُ أوْصَلَهُ إلى عَتَباتِ خِدْمَتِهِ ودَرَجاتِ كَرامَتِهِ، وأوْقَفَهُ عَلى أسْرارِ مَعْرِفَتِهِ، ورَفَعَ حُجُبَ البُعْدِ بَيْنَهُ وبَيْنَ نَفْسِهِ، وأجْلَسَهُ عَلى بِساطِ قُرْبِهِ، فَأيُّ بُعْدٍ في أنْ يُظْهِرَ بَعْضَ تِلْكَ الكَراماتِ في هَذا العالَمِ مَعَ أنَّ كُلَّ هَذا العالَمِ بِالنِّسْبَةِ إلى ذَرَّةٍ مِن تِلْكَ السِّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ والمَعارِفِ الرَّبّانِيَّةِ كالعَدَمِ المَحْضِ.

الحُجَّةُ السّادِسَةُ: لا شَكَّ أنَّ المُتَوَلِّيَ لِلْأفْعالِ هو الرُّوحُ لا البَدَنُ، ولا شَكَّ أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى لِلرَّوْحِ كالرُّوحِ لِلْبَدَنِ عَلى ما قَرَّرْناهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ﴾ (النَّحْلِ: ٢) وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”أبِيتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِي“» ولِهَذا المَعْنى نَرى أنَّ كُلَّ مَن كانَ أكْثَرَ عِلْمًا بِأحْوالِ عالَمِ الغَيْبِ كانَ أقْوى قَلْبًا وأقَلَّ ضَعْفًا، ولِهَذا قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: واللَّهِ ما قَلَعْتُ بابَ خَيْبَرَ بِقُوَّةٍ جَسَدانِيَّةٍ، ولَكِنْ بِقُوَّةٍ رَبّانِيَّةٍ. وذَلِكَ لِأنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ انْقَطَعَ نَظَرُهُ عَنْ عالَمِ الأجْسادِ وأشْرَقَتِ المَلائِكَةُ بِأنْوارِ عالَمِ الكِبْرِياءِ، فَتَقَوّى رُوحُهُ وتَشَبَّهَ بِجَواهِرِ الأرْواحِ المَلَكِيَّةِ، وتَلَأْلَأتْ فِيهِ أضْواءُ عالَمِ القُدُسِ والعَظَمَةِ، فَلا جَرَمَ حَصَلَ لَهُ مِنَ القُدْرَةِ ما قَدَرَ بِها عَلى ما لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وكَذَلِكَ العَبْدُ إذا واظَبَ عَلى الطّاعاتِ بَلَغَ إلى المَقامِ الَّذِي يَقُولُ اللَّهُ: كُنْتُ لَهُ سَمْعًا وبَصَرًا، فَإذا صارَ نُورُ جَلالِ اللَّهِ سَمْعًا لَهُ سَمِعَ القَرِيبَ والبَعِيدَ، وإذا صارَ ذَلِكَ النُّورُ بَصَرًا لَهُ رَأى القَرِيبَ والبَعِيدَ، وإذا صارَ ذَلِكَ النُّورُ يَدًا لَهُ قَدَرَ عَلى التَّصَرُّفِ في الصَّعْبِ والسَّهْلِ والبَعِيدِ والقَرِيبِ.

الحُجَّةُ السّابِعَةُ: وهي مَبْنِيَّةٌ عَلى القَوانِينِ العَقْلِيَّةِ الحِكْمِيَّةُ، وهي أنّا قَدْ بَيَّنّا أنَّ جَوْهَرَ الرُّوحِ لَيْسَ مِن جِنْسِ الأجْسامِ الكائِنَةِ الفاسِدَةِ المُتَعَرِّضَةِ لِلتَّفَرُّقِ والتَّمَزُّقِ، بَلْ هو مِن جِنْسِ جَواهِرِ المَلائِكَةِ وسُكّانِ عالَمِ السَّماواتِ ونَوْعِ المُقَدَّسِينَ المُطَهَّرِينَ، إلّا أنَّهُ لَمّا تَعَلَّقَ بِهَذا البَدَنِ واسْتَغْرَقَ في تَدْبِيرِهِ صارَ في ذَلِكَ الِاسْتِغْراقِ إلى حَيْثُ نَسِيَ الوَطَنَ الأوَّلَ والمَسْكَنَ المُتَقَدِّمَ، وصارَ بِالكُلِّيَّةِ مُتَشَبِّهًا بِهَذا الجِسْمِ الفاسِدِ، فَضَعُفَتْ قُوَّتُهُ وذَهَبَتْ مُكْنَتُهُ، ولَمْ يَقْدِرْ عَلى