< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أجابَ في هَذِهِ الآيَةِ عَنِ السُّؤالِ الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنْ نَقُولَ: إنَّ حُدُوثَ الحَوادِثِ في هَذا العالَمِ السُّفْلِيِّ مُسْنَدَةٌ إلى الِاتِّصالاتِ الفَلَكِيَّةِ والتَّشَكُّلاتِ الكَوْكَبِيَّةِ، إلّا أنَّهُ لا بُدَّ لِحَرَكاتِها واتِّصالاتِها مِن أسْبابٍ، وأسْبابُ تِلْكَ الحَرَكاتِ إمّا ذَواتُها، وإمّا أُمُورٌ مُغايِرَةٌ لَها، والأوَّلُ باطِلٌ لِوَجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ الأجْسامَ مُتَماثِلَةٌ، فَلَوْ كانَ جِسْمٌ عِلَّةً لِصِفَةٍ لَكانَ كُلُّ جِسْمٍ واجِبَ الِاتِّصافِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ وهو مُحالٌ.

والثّانِي: أنَّ ذاتَ الجِسْمِ لَوْ كانَتْ عِلَّةً لِحُصُولِ هَذا الجُزْءِ مِنَ الحَرَكَةِ لَوَجَبَ دَوامُ هَذا الجُزْءِ مِنَ الحَرَكَةِ بِدَوامِ تِلْكَ الذّاتِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ، لَوَجَبَ بَقاءُ الجِسْمِ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ مِن غَيْرِ تَغَيُّرٍ أصْلًا، وذَلِكَ يُوجِبُ كَوْنَهُ ساكِنًا، ويَمْنَعُ مِن كَوْنِهِ مُتَحَرِّكًا، فَثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِأنَّ الجِسْمَ مُتَحَرِّكٌ لِذاتِهِ يُوجِبُ كَوْنَهُ ساكِنًا لِذاتِهِ وما أفْضى ثُبُوتُهُ إلى عَدَمِهِ كانَ باطِلًا، فَثَبَتَ أنَّ الجِسْمَ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مُتَحَرِّكًا لِكَوْنِهِ جِسْمًا، فَبَقِيَ أنْ يَكُونَ مُتَحَرِّكًا لِغَيْرِهِ، وذَلِكَ الغَيْرُ إمّا أنْ يَكُونَ سارِيًا فِيهِ أوْ مُبايِنًا عَنْهُ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ البحث المَذْكُورَ عائِدٌ في أنَّ ذَلِكَ الجِسْمَ بِعَيْنِهِ لَمّا اخْتُصَّ بِتِلْكَ القُوَّةِ بِعَيْنِها دُونَ سائِرِ الأجْسامِ، فَثَبَتَ أنَّ مُحَرِّكَ أجْسامِ الأفْلاكِ والكَواكِبِ أُمُورٌ مُبايِنَةٌ عَنْها، وذَلِكَ المُبايِنُ إنْ كانَ جِسْمًا أوْ جُسْمانِيًّا عادَ التَّقَسُّمُ الأوَّلُ فِيهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ جِسْمًا ولا جُسْمانِيًّا فَإمّا أنْ يَكُونَ مُوجِبًا بِالذّاتِ أوْ فاعِلًا مُخْتارًا، والأوَّلُ باطِلٌ، لِأنَّ نِسْبَةَ ذَلِكَ المُوجِبِ بِالذّاتِ إلى جَمِيعِ الأجْسامِ عَلى السَّوِيَّةِ، فَلَمْ يَكُنْ بَعْضُ الأجْسامِ بِقَبُولِ بَعْضِ الآثارِ المُعَيَّنَةِ أوْلى مِن بَعْضٍ، ولَمّا بَطَلَ هَذا ثَبَتَ أنَّ مُحَرِّكَ الأفْلاكِ والكَواكِبِ هو الفاعِلُ المُخْتارُ القادِرُ المُنَزَّهُ عَنْ كَوْنِهِ جِسْمًا وجُسْمانِيًّا، وذَلِكَ هو اللَّهُ تَعالى، فالحاصِلُ أنّا ولَوْ حَكَمْنا بِإسْنادِ حَوادِثِ العالَمِ السُّفْلِيِّ إلى الحَرَكاتِ الفَلَكِيَّةِ والكَوْكَبِيَّةِ فَهَذِهِ الحَرَكاتُ الكَوْكَبِيَّةُ والفَلَكِيَّةُ لا يُمْكِنُ إسْنادُها إلى أفْلاكٍ أُخْرى، وإلّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو

صفحة ٤

مُحالٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ خالِقُ هَذِهِ الحَرَكاتِ ومُدَبِّرُها هو اللَّهَ تَعالى، وإذا كانَتِ الحَوادِثُ السُّفْلِيَّةُ مُسْتَنِدَةً إلى الحَرَكاتِ الفَلَكِيَّةِ، وثَبَتَ أنَّ الحَرَكاتِ الفَلَكِيَّةَ حادِثَةٌ بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى وتَقْدِيرِهِ وتَكْوِينِهِ، فَكانَ هَذا اعْتِرافًا بِأنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ تَعالى وبِإحْداثِهِ وتَخْلِيقِهِ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ يَعْنِي: إنْ كانَتْ تِلْكَ الحَوادِثُ السُّفْلِيَّةُ لِأجْلِ تَعاقُبِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وحَرَكاتِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، فَهَذِهِ الأشْياءُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ حُدُوثُها بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى وتَسْخِيرِهِ قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ، ولَمّا تَمَّ هَذا الدَّلِيلُ في هَذا المَقامِ لا جَرَمَ خَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يَعْنِي: أنَّ كُلَّ مَن كانَ عاقِلًا عَلِمَ أنَّ القَوْلَ بِالتَّسَلْسُلِ باطِلٌ، ولا بُدَّ مِنَ الِانْتِهاءِ في آخِرِ الأمْرِ إلى الفاعِلِ المُخْتارِ القَدِيرِ، فَهَذا تَقْرِيرُ أحَدِ الجَوابَيْنِ.

والجَوابُ الثّانِي عَنْ ذَلِكَ السُّؤالِ: أنْ نَقُولَ: نَحْنُ نُقِيمُ الدَّلالَةَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حُدُوثُ النَّباتِ والحَيَوانِ لِأجْلِ تَأْثِيرِ الطِّباعِ والأفْلاكِ والأنْجُمِ، وذَلِكَ لِأنَّ تَأْثِيرَ الطَّبائِعِ والأفْلاكِ والأنْجُمِ والشَّمْسِ والقَمَرِ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُلِّ واحِدٌ، ثُمَّ نَرى أنَّهُ إذا تَوَلَّدَ العِنَبُ كانَ قِشْرُهُ عَلى طَبْعٍ، وعَجَمُهُ عَلى طَبْعٍ، ولَحْمُهُ عَلى طَبْعٍ ثالِثٍ، وماؤُهُ عَلى طَبْعٍ رابِعٍ، بَلْ نَقُولُ: إنّا نَرى في الوَرْدِ ما يَكُونُ أحَدُ وجْهَيِ الوَرَقَةِ الواحِدَةِ مِنهُ في غايَةِ الصُّفْرَةِ، والوجه الثّانِي مِن تِلْكَ الوَرَقَةِ في غايَةِ الحُمْرَةِ، وتِلْكَ الوَرَقَةُ تَكُونُ في غايَةِ الرِّقَّةِ واللَّطافَةِ، ونَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ نِسْبَةَ الأنْجُمِ والأفْلاكِ إلى وجْهَيْ تِلْكَ الوَرَقَةِ الرَّقِيقَةِ،