< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


في التَّفْسِيرِ: اسْمًا مُؤَنَّثًا، وعَلى هَذا جاءَ:﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ﴾[الحج: ٤٦] أمّا إذا لَمْ يَكُنْ في التَّفْسِيرِ مُؤَنَّثٌ لَمْ يُؤَنَّثْ ضَمِيرُ القِصَّةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾[طه: ٧٤] .

والثّالِثُ: قالَ الزَّجّاجُ: تَقْدِيرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَذا الَّذِي سَألْتُمْ عَنْهُ هو اللَّهُ أحَدٌ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في (أحَدٌ) وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى واحِدٍ، قالَ الخَلِيلُ: يَجُوزُ أنْ يُقالَ: أحَدٌ اثْنانِ وأصْلُ أحَدٍ وحَدٌ إلّا أنَّهُ قُلِبَتِ الواوُ هَمْزَةً لِلتَّخْفِيفِ وأكْثَرُ ما يَفْعَلُونَ هَذا بِالواوِ المَضْمُومَةِ والمَكْسُورَةِ كَقَوْلِهِمْ: وُجُوهٌ وأُجُوهٌ، وِسادَةٌ وإسادَةٌ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الواحِدَ والأحَدَ لَيْسا اسْمَيْنِ مُتَرادِفَيْنِ قالَ الأزْهَرِيُّ: لا يُوصَفُ شَيْءٌ بِالأحَدِيَّةِ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى لا يُقالُ: رَجُلٌ أحَدٌ ولا دِرْهَمٌ أحَدٌ كَما يُقالُ: رَجُلٌ واحِدٌ أيْ فَرْدٌ بِهِ بَلْ أحَدٌ صِفَةٌ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى اسْتَأْثَرَ بِها فَلا يُشْرِكُهُ فِيها شَيْءٌ ثُمَّ ذَكَرُوا في الفَرْقِ بَيْنَ الواحِدِ والأحَدِ وُجُوهًا:

أحَدُها: أنَّ الواحِدَ يَدْخُلُ في الأحَدِ، والأحَدُ لا يَدْخُلُ فِيهِ.

وثانِيها: أنَّكَ إذا قُلْتَ: فُلانٌ لا يُقاوِمُهُ واحِدٌ، جازَ أنْ يُقالَ: لَكِنَّهُ يُقاوِمُهُ اثْنانِ بِخِلافِ الأحَدِ، فَإنَّكَ لَوْ قُلْتَ: فُلانٌ لا يُقاوِمُهُ أحَدٌ، لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: لَكِنَّهُ يُقاوِمُهُ اثْنانِ.

وثالِثُها: أنَّ الواحِدَ يُسْتَعْمَلُ في الإثْباتِ، والأحَدَ في النَّفْيِ، تَقُولُ في الإثْباتِ رَأيْتُ رَجُلًا واحِدًا، وتَقُولُ في النَّفْيِ: ما رَأيْتُ أحَدًا، فَيُفِيدُ العُمُومَ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ: (أحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ) فَقِراءَةُ العامَّةِ بِالتَّنْوِينِ وتَحْرِيكِهِ بِالكَسْرِ هَكَذا (أحَدُنِ اللَّهُ)، وهو القِياسُ الَّذِي لا إشْكالَ فِيهِ، وذَلِكَ لِأنَّ التَّنْوِينَ مِن ”أحَدٌ“ ساكِنٌ ولامُ المَعْرِفَةِ مِنَ اللَّهِ ساكِنَةٌ، ولَمّا التَقى ساكِنانِ حُرِّكَ الأوَّلُ مِنهُما بِالكَسْرِ، وعَنْ أبِي عَمْرٍو، ”أحَدُ اللَّهُ“ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وذَلِكَ أنَّ النُّونَ شابَهَتْ حُرُوفَ اللِّينِ في أنَّها تُزادُ كَما يُزَدْنَ فَلَمّا شابَهَتْها أُجْرِيَتْ مُجْراها في أنْ حُذِفَتْ ساكِنَةً لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ كَما حُذِفَتِ الألِفُ والواوُ والياءُ لِذَلِكَ نَحْوُ: غَزا القَوْمَ ويَغْزُو القَوْمَ، ويَرْمِي القَوْمَ، ولِهَذا حُذِفَتِ النُّونُ السّاكِنَةُ في الفِعْلِ نَحْوُ: (لَمْ يَكُ) ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ﴾[هود: ١٠٩] فَكَذا هَهُنا حُذِفَتْ في ”أحَدُ اللَّهُ“ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ كَما حُذِفَتْ هَذِهِ الحُرُوفُ.

وقَدْ ذَكَرْنا هَذا مُسْتَقْصًى عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾[التوبة: ٣٠] ورُوِيَ أيْضًا عَنْ أبِي عَمْرٍو: (أحَدْ اللَّهُ) وقالَ: أدْرَكْتُ القُرّاءَ يَقْرَءُونَها كَذَلِكَ وصْلًا عَلى السُّكُونِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: قَدْ تَجْرِي الفَواصِلُ في الإدْراجِ مُجْراها في الوَقْفِ وعَلى هَذا قالَ مَن قالَ: ﴿فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾﴿رَبَّنا﴾[الأحزاب: ٦٧]﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾﴿نارٌ﴾[القارعة: ١٠] فَكَذَلِكَ ( أحَدٌ اللَّهُ) لَمّا كانَ أكْثَرُ القُرّاءِ فِيما حَكاهُ أبُو عَمْرٍو عَلى الوَقْفِ أجْراهُ في الوَصْلِ مُجْراهُ في الوَقْفِ لِاسْتِمْرارِ الوَقْفِ عَلَيْهِ وكَثْرَتِهِ في ألْسِنَتِهِمْ، وقَرَأ الأعْمَشُ: (قُلْ هو اللَّهُ الواحِدُ) فَإنْ قِيلَ: لِماذا ؟ قِيلَ: أحَدٌ عَلى النَّكِرَةِ، قالَ الماوَرْدِيُّ: فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: حَذْفُ لامِ التَّعْرِيفِ عَلى نِيَّةِ إضْمارِها والتَّقْدِيرُ قُلْ: هو اللَّهُ الأحَدُ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ هو التَّنْكِيرُ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ.

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: (هو اللَّهُ أحَدٌ) ألْفاظٌ ثَلاثَةٌ وكُلُّ واحِدٍ مِنها إشارَةٌ إلى مَقامٍ مِن مَقاماتِ الطّالِبِينَ:

فالمَقامُ الأوَّلُ: مَقامُ المُقَرَّبِينَ وهو أعْلى مَقاماتِ السّائِرِينَ إلى اللَّهِ وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ نَظَرُوا إلى ماهِيّاتِ الأشْياءِ وحَقائِقِها مِن حَيْثُ هي هي، فَلا جَرَمَ ما رَأوْا مَوْجُودًا سِوى اللَّهِ لِأنَّ الحَقَّ هو الَّذِي لِذاتِهِ

صفحة ١٦٥

يَجِبُ وُجُودُهُ، وأمّا ما عَداهُ فَمُمْكِنٌ لِذاتِهِ والمُمْكِنُ لِذاتِهِ إذا نُظِرَ إلَيْهِ مِن حَيْثُ هو هو كانَ مَعْدُومًا، فَهَؤُلاءِ