< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


ولا يَلْقَوْنَهُ، فَأتاهُ وفْدٌ فَقالَ لَهم مِثْلَ ذَلِكَ فَقالُوا: لا نَنْصَرِفُ حَتّى نَراهُ، فَقالَ: إنّا لَمْ نَزَلْ نُعالِجُهُ مِنَ الجُنُونِ فَتَبًّا لَهُ وتَعْسًا، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ فَحَزِنَ، ونَزَلَتِ السُّورَةُ.

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: (تَبَّتْ) فِيهِ أقاوِيلُ:

أحَدُها: التَّبابُ الهَلاكُ، ومِنهُ قَوْلُهم شابَّةٌ أمْ تابَّةٌ أيْ هالِكَةٌ مِنَ الهَرَمِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلّا في تَبابٍ﴾[غافر: ٣٧] أيْ في هَلاكٍ، والَّذِي يُقَرِّرُ ذَلِكَ أنَّ الأعْرابِيَّ لَمّا واقَعَ أهْلَهُ في نَهارِ رَمَضانَ قالَ: هَلَكْتُ وأهْلَكْتُ، ثُمَّ إنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما أنْكَرَ ذَلِكَ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ كانَ صادِقًا في ذَلِكَ، ولا شَكَّ أنَّ العَمَلَ إمّا أنْ يَكُونَ داخِلًا في الإيمانِ، أوْ إنْ كانَ داخِلًا لَكِنَّهُ أضْعَفُ أجْزائِهِ، فَإذا كانَ بِتَرْكِ العَمَلِ حَصَلَ الهَلاكُ، فَفي حَقِّ أبِي لَهَبٍ حَصَلَ تَرْكُ الِاعْتِقادِ والقَوْلِ والعَمَلِ، وحَصَلَ وُجُودُ الِاعْتِقادِ الباطِلِ، والقَوْلِ الباطِلِ، والعَمَلِ الباطِلِ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ لا يَحْصُلَ مَعْنى الهَلاكِ، فَلِهَذا قالَ: (تَبَّتْ) .

وثانِيها: تَبَّتْ خَسِرَتْ، والتَّبابُ هو الخُسْرانُ المُفْضِي إلى الهَلاكِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ أيْ: تَخْسِيرٍ، بِدَلِيلِ أنَّهُ قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: غَيْرَ تَخْسِيرٍ.

وثالِثُها: تَبَّتْ خابَتْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِأنَّهُ كانَ يَدْفَعُ القَوْمَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: إنَّهُ ساحِرٌ، فَيَنْصَرِفُونَ عَنْهُ قَبْلَ لِقائِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ شَيْخَ القَبِيلَةِ وكانَ لَهُ كالأبِ فَكانَ لا يُتَّهَمُ، فَلَمّا نَزَلَتِ السُّورَةُ وسَمِعَ بِها غَضِبَ وأظْهَرَ العَداوَةَ الشَّدِيدَةَ فَصارَ مُتَّهَمًا فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ في الرَّسُولِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ خابَ سَعْيُهُ وبَطَلَ غَرَضُهُ، ولَعَلَّهُ إنَّما ذَكَرَ اليَدَ؛ لِأنَّهُ كانَ يَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلى كَتِفِ الوافِدِ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: انْصَرِفْ راشِدًا فَإنَّهُ مَجْنُونٌ، فَإنَّ المُعْتادَ أنَّ مَن يَصْرِفُ إنْسانًا عَنْ مَوْضِعٍ وضَعَ يَدَهُ عَلى كَتِفِهِ ودَفَعَهُ عَنْ ذَلِكَ المَوْضِعِ.

ورابِعُها: عَنْ عَطاءٍ: تَبَّتْ أيْ: غَلَبَتْ لِأنَّهُ كانَ يَعْتَقِدُ أنَّ يَدَهُ هي العُلْيا وأنَّهُ يُخْرِجُهُ مِن مَكَّةَ ويُذِلُّهُ ويَغْلِبُ عَلَيْهِ.

وخامِسُها: عَنِ ابْنِ وثّابٍ؛ صَفِرَتْ يَداهُ عَلى كُلِّ خَيْرٍ، وإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ ذِكْرِ اليَدِ ؟

قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: ما يُرْوى أنَّهُ أخَذَ حَجَرًا لِيَرْمِيَ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ، رُوِيَ عَنْ طارِقٍ المُحارِبِيِّ أنَّهُ قالَ: «رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في السُّوقِ يَقُولُ: يا أيُّها النّاسُ قُولُوا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ تُفْلِحُوا، ورَجُلٌ خَلْفَهُ يَرْمِيهِ بِالحِجارَةِ وقَدْ أدْمى عَقِبَيْهِ، [ وهو يَقُولُ ] لا تُطِيعُوهُ فَإنَّهُ كَذّابٌ، فَقُلْتُ: مَن هَذا ؟ فَقالُوا: مُحَمَّدٌ وعَمُّهُ أبُو لَهَبٍ» .

وثانِيها: المُرادُ مِنَ اليَدَيْنِ الجُمْلَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾[الحج: ١٠] ومِنهُ قَوْلُهم: يَداكَ أوْكَتا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾[يس: ٧١] وهَذا التَّأْوِيلُ مُتَأكَّدٌ بِقَوْلِهِ: (وتَبَّ) .

وثالِثُها: تَبَّتْ يَداهُ أيْ دِينُهُ ودُنْياهُ أُولاهُ وعُقْباهُ، أوْ لِأنَّ بِإحْدى اليَدَيْنِ تُجَرُّ المَنفَعَةُ، وبِالأُخْرى تُدْفَعُ المَضَرَّةُ، أوْ لِأنَّ اليُمْنى سِلاحٌ والأُخْرى جُنَّةٌ.

ورابِعُها: رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا دَعاهُ نَهارًا فَأتى، فَلَمّا جَنَّ اللَّيْلُ ذَهَبَ إلى دارِهِ مَسْتَنًّا بِسُنَّةِ نُوحٍ لِيَدْعُوَهُ لَيْلًا كَما دَعاهُ نَهارًا، فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ قالَ لَهُ: جِئْتَنِي مُعْتَذِرًا فَجَلَسَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ

صفحة ١٥٤

السَّلامُ أمامَهُ كالمُحْتاجِ، وجَعَلَ يَدْعُوهُ إلى الإسْلامِ وقالَ: إنْ كانَ يَمْنَعُكَ العارُ، فَأجِبْنِي في هَذا الوَقْتِ واسْكُتْ، فَقالَ: لا أُومِنُ بِكَ حَتّى يُؤْمِنَ بِكَ هَذا الجَدْيُ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْجَدْيِ: مَن أنا ؟ فَقالَ: رَسُولُ اللَّهِ وأطْلَقَ لِسانَهُ يُثْنِي عَلَيْهِ، فاسْتَوْلى الحَسَدُ عَلى أبِي لَهَبٍ، فَأخَذَ يَدَيِ الجَدْيِ ومَزَّقَهُ وقالَ: تَبًّا لَكَ أثَّرَ فِيكَ