< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


تَكُنِ الزِّيادَةُ مُعْتَبَرَةً في دَلالَةِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ كانَ ذَلِكَ أمْرًا مُنْفَصِلًا عَنْ ذَلِكَ الدَّلِيلِ غَيْرَ مُعْتَبَرٍ في كَوْنِهِ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ المَدْلُولِ، فَثَبَتَ أنَّ العِلْمَ بِكَوْنِ الدَّلِيلِ دَلِيلًا لا يَقْبَلُ الزِّيادَةَ والنُّقْصانَ، فَأمّا أنْ يُقالَ: إنَّ أُولَئِكَ الأعْرابَ كانُوا عالِمِينَ بِجَمِيعِ مُقَدِّماتِ دَلائِلِ هَذِهِ المَسائِلِ بِحَيْثُ ما شَذَّ عَنْهم مِن تِلْكَ المُقَدِّماتِ واحِدَةٌ، وذَلِكَ مُكابَرَةٌ أوْ ما كانُوا كَذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ ثَبَتَ أنَّهم كانُوا مُقَلِّدِينَ، ومِمّا يُؤَكِّدُ ما ذَكَرْنا ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: لَمّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ مَكَّةَ أقْبَلَتِ العَرَبُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ فَقالُوا: إذا ظَفِرَ بِأهْلِ الحَرَمِ وجَبَ أنْ يَكُونَ عَلى الحَقِّ، وقَدْ كانَ اللَّهُ أجارَهم مِن أصْحابِ الفِيلِ، وكُلِّ مَن أرادَهم بِسُوءٍ ثُمَّ أخَذُوا يَدْخُلُونَ في الإسْلامِ أفْواجًا مِن غَيْرِ قِتالٍ، هَذا ما رَواهُ الحَسَنُ، ومَعْلُومٌ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِأنَّهُ لَمّا ظَفِرَ بِأهْلِ مَكَّةَ وجَبَ أنْ يَكُونَ عَلى الحَقِّ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، فَعَلِمْنا أنَّهم ما كانُوا مُسْتَدِلِّينَ بَلْ مُقَلِّدِينَ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: دِينُ اللَّهِ هو الإسْلامُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾[آل عمران: ١٩] ولِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾[آل عمران: ٨٥] ولِلدِّينِ أسْماءٌ أُخْرى، مِنها الإيمانُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾[الذاريات: ٣٥] ومِنها الصِّراطُ قالَ تَعالى: ﴿صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾[الشورى: ٥٣] ومِنها كَلِمَةُ اللَّهِ، ومِنها النُّورُ: ﴿لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾[الصف: ٨] ومِنها الهُدى لِقَوْلِهِ: ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾[النحل: ٩٣] ومِنها العُرْوَةُ: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾[لقمان: ٢٢] ومِنها الحَبْلُ: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾[آل عمران: ١٠٣] ومِنها صِبْغَةُ اللَّهِ، وفِطْرَةُ اللَّهِ، وإنَّما قالَ: ﴿فِي دِينِ اللَّهِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: في دِينِ الرَّبِّ، ولا سائِرَ الأسْماءِ لِوَجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ هَذا الِاسْمَ أعْظَمُ الأسْماءِ لِدَلالَتِهِ عَلى الذّاتِ والصِّفاتِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: هَذا الدِّينُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ خَصْلَةٌ سِوى أنَّهُ دِينُ اللَّهِ فَإنَّهُ يَكُونُ واجِبَ القَبُولِ.

والثّانِي: لَوْ قالَ: دِينُ الرَّبِّ لَكانَ يُشْعِرُ ذَلِكَ بِأنَّ هَذا الدِّينَ إنَّما يَجِبُ عَلَيْكَ قَبُولُهُ لِأنَّهُ رَبّاكَ، وأحْسَنَ إلَيْكَ وحِينَئِذٍ تَكُنْ طاعَتُكَ لَهُ مُعَلَّلَةً بِطَلَبِ النَّفْعِ، فَلا يَكُونُ الإخْلاصُ حاصِلًا، فَكَأنَّهُ يَقُولُ أخْلِصِ الخِدْمَةَ بِمُجَرَّدِ أنِّي إلَهٌ لا لِنَفْعٍ يَعُودُ إلَيْكَ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الفَوْجُ: الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ كانَتْ تَدْخُلُ فِيهِ القَبِيلَةُ بِأسْرِها بَعْدَما كانُوا يَدْخُلُونَ فِيهِ واحِدًا واحِدًا واثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، «وعَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ بَكى ذاتَ يَوْمٍ فَقِيلَ لَهُ: ما يُبْكِيكَ ؟ فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: دَخَلَ النّاسُ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا، وسَيَخْرُجُونَ مِنهُ أفْواجًا، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ السَّلْبِ بَعْدَ العَطاءِ» .

صفحة ١٤٦

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِالتَّسْبِيحِ ثُمَّ بِالحَمْدِ ثُمَّ بِالِاسْتِغْفارِ، ولِهَذا التَّرْتِيبِ فَوائِدُ:

الفائِدَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ تَأْخِيرَ النَّصْرِ سِنِينَ مَعَ أنَّ مُحَمَّدًا كانَ عَلى الحَقِّ مِمّا يَثْقُلُ عَلى القَلْبِ ويَقَعُ في القَلْبِ أنِّي إذا كُنْتُ عَلى الحَقِّ فَلِمَ لا تَنْصُرُنِي ؟ ولِمَ سَلَّطْتَ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ عَلَيَّ ؟ فَلِأجْلِ الِاعْتِذارِ عَنْ هَذا الخاطِرِ أُمِرَ بِالتَّسْبِيحِ، أمّا عَلى قَوْلِنا: فالمُرادُ مِن هَذا التَّنْزِيهِ أنَّكَ مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يَسْتَحِقَّ أحَدٌ عَلَيْكَ شَيْئًا بَلْ كُلُّ ما تَفْعَلُهُ فَإنَّما تَفْعَلُهُ بِحُكْمِ المَشِيئَةِ الإلَهِيَّةِ، فَلَكَ أنْ تَفْعَلَ ما تَشاءُ كَما تَشاءُ فَفائِدَةُ التَّسْبِيحِ تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنْ أنْ يَسْتَحِقَّ عَلَيْهِ أحَدٌ شَيْئًا، وأمّا عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ: ما فائِدَةُ التَّنْزِيهِ هو أنْ