< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


الِاسْتِغْفارِ فَإنَّهُ لا يَكُونُ كاذِبًا فِيهِ، فَصارَ تَقْدِيرُ الكَلامِ، واسْتَغْفِرْهُ بِالتَّوْبَةِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ خَواتِيمَ الأعْمالِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ بِالتَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ، وكَذا خَواتِيمُ الأعْمالِ، ورُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَجْلِسْ مَجْلِسًا إلّا خَتَمَهُ بِالِاسْتِغْفارِ

والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّالِثِ: أنَّهُ تَعالى راعى العَدْلَ فَذَكَرَ اسْمَ الذّاتِ مَرَّتَيْنِ وذَكَرَ اسْمَ الفِعْلِ مَرَّتَيْنِ؛ أحَدُهُما الرَّبُّ، والثّانِي التَّوّابُ، ولَمّا كانَتِ التَّرْبِيَةُ تَحْصُلُ أوَّلًا والتَّوّابِيَّةُ آخِرًا، لا جَرَمَ ذَكَرَ اسْمَ الرَّبِّ أوَّلًا واسْمَ التَّوّابِ آخِرًا.

* * *

صفحة ١٥١

المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: الصَّحابَةُ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ نَعْيٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رُوِيَ «أنَّ العَبّاسَ عَرَفَ ذَلِكَ وبَكى فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ما يُبْكِيكَ ؟ فَقالَ: نُعِيَتْ إلَيْكَ نَفْسُكَ فَقالَ: الأمْرُ كَما تَقُولُ»، وقِيلَ: إنَّ ابْنَ عَبّاسٍ هو الَّذِي قالَ ذَلِكَ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لَقَدْ أُوتِيَ هَذا الغُلامُ عِلْمًا كَثِيرًا» .

رُوِيَ أنَّ عُمَرَ كانَ يُعَظِّمُ ابْنَ عَبّاسٍ ويُقَرِّبُهُ ويَأْذَنُ لَهُ مَعَ أهْلِ بَدْرٍ، فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أتَأْذَنُ لِهَذا الفَتى مَعَنا، وفي أبْنائِنا مَن هو مِثْلُهُ ؟ فَقالَ: لِأنَّهُ مِمَّنْ قَدْ عَلِمْتُمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَأذِنَ لَهم ذاتَ يَوْمٍ وأذِنَ لِي مَعَهم فَسَألَهم عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ وكَأنَّهُ ما سَألَهم إلّا مِن أجْلِي فَقالَ بَعْضُهم: أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ إذا فَتَحَ أنْ يَسْتَغْفِرَهُ ويَتُوبَ إلَيْهِ، فَقُلْتُ: لَيْسَ كَذَلِكَ ولَكِنْ نُعِيَتْ إلَيْهِ نَفْسُهُ فَقالَ عُمَرُ: ما أعْلَمُ مِنها إلّا مِثْلَ ما تَعْلَمُ، ثُمَّ قالَ: كَيْفَ تَلُومُونَنِي عَلَيْهِ بَعْدَ ما تَرَوْنَ ؟

ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ خَطَبَ وقالَ: ”«إنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ الدُّنْيا وبَيْنَ لِقائِهِ والآخِرَةِ فاخْتارَ لِقاءَ اللَّهِ» “ فَقالَ السّائِلُ: وكَيْفَ دَلَّتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى هَذا المَعْنى ؟

الجَوابُ: مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: قالَ بَعْضُهم: إنَّما عَرَفُوا ذَلِكَ لِما رَوَيْنا أنَّ الرَّسُولَ خَطَبَ عَقِيبَ السُّورَةِ وذَكَرَ التَّخْيِيرَ.

وثانِيها: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ حُصُولَ النَّصْرِ والفَتْحِ ودُخُولَ النّاسِ في الدِّينِ أفْواجًا دَلَّ ذَلِكَ عَلى حُصُولِ الكَمالِ والتَّمامِ، وذَلِكَ يَعْقُبُهُ الزَّوالُ كَما قِيلَ:

إذا تَمَّ شَيْءٌ دَنا نَقْصُهُ تَوَقَّعْ زَوالًا إذا قِيلَ تَمَّ

وثالِثُها: أنَّهُ أمَرَهُ بِالتَّسْبِيحِ والحَمْدِ والِاسْتِغْفارِ مُطْلَقًا واشْتِغالُهُ بِهِ يَمْنَعُهُ عَنِ الِاشْتِغالِ بِأمْرِ الأُمَّةِ فَكانَ هَذا كالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ أمْرَ التَّبْلِيغِ قَدْ تَمَّ وكَمُلَ، وذَلِكَ يُوجِبُ المَوْتَ؛ لِأنَّهُ لَوْ بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ لَكانَ كالمَعْزُولِ عَنِ الرِّسالَةِ وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ.

ورابِعُها: قَوْلُهُ: (واسْتَغْفِرْهُ) تَنْبِيهٌ عَلى قُرْبِ الأجَلِ كَأنَّهُ يَقُولُ قَرُبَ الوَقْتُ ودَنا الرَّحِيلُ فَتَأهَّبْ لِلْأمْرِ، ونَبَّهَهُ بِهِ عَلى أنَّ سَبِيلَ العاقِلِ إذا قَرُبَ أجَلُهُ أنْ يَسْتَكْثِرَ مِنَ التَّوْبَةِ.

وخامِسُها: كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: كانَ مُنْتَهى مَطْلُوبِكَ في الدُّنْيا هَذا الَّذِي وجَدْتَهُ، وهو النَّصْرُ والفَتْحُ والِاسْتِيلاءُ، واللَّهُ تَعالى وعَدَكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ فَلَمّا وجَدْتَ أقْصى مُرادِكَ في الدُّنْيا فانْتَقِلْ إلى الآخِرَةِ لِتَفُوزَ بِتِلْكَ السَّعاداتِ العالِيَةِ.

المَسْألَةُ العاشِرَةُ: ذَكَرْنا أنَّ الأصَحَّ هو أنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، وأمّا الَّذِينَ قالُوا: إنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَذَكَرَ الماوَرْدِيُّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَلْبَثْ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ إلّا سِتِّينَ يَوْمًا مُسْتَدِيمًا لِلتَّسْبِيحِ والِاسْتِغْفارِ، وقالَ مُقاتِلٌ: عاشَ بَعْدَها حَوْلًا ونَزَلَ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾[المائدة: ٣] فَعاشَ بَعْدَها ثَمانِينَ يَوْمًا ثُمَّ نَزَلَ آيَةُ الكَلالَةِ، فَعاشَ بَعْدَها خَمْسِينَ يَوْمًا، ثُمَّ نَزَلَ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾[التوبة: ١٢٨] فَعاشَ بَعْدَها خَمْسَةً وثَلاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ نَزَلَ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾[البقرة: ٢٨١]فَعاشَ بَعْدَها أحَدَ عَشَرَ يَوْمًا وفي رِوايَةٍ

« الصفحة السابقة ص ١٤ من ١٤ الصفحة التالية »