< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


لَمْ تَكُنْ مَعْصُومًا فَإنْ كُنْتَ مَعْصُومًا فاشْتَغِلْ بِالتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ مَعْصُومًا فاشْتَغِلْ بِالِاسْتِغْفارِ، فَتَكُونُ الآيَةُ كالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا فَراغَ عَنِ التَّكْلِيفِ في العُبُودِيَّةِ كَما قالَ:﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾[الحجر: ٩٩] .

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في المُرادِ مِنَ التَّسْبِيحِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ ذَكَرَ اللَّهَ بِالتَّنَزُّهِ، سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ فَقالَ: تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنْ كُلِّ سُوءٍ وأصْلُهُ مِن سَبَحَ فَإنَّ السّابِحَ يَسْبَحُ في الماءِ كالطَّيْرِ في الهَواءِ ويَضْبُطُ نَفْسَهُ مِن أنْ يَرْسُبَ فِيهِ فَيَهْلِكَ أوْ يَتَلَوَّثَ مِن مَقَرِّ الماءِ ومَجْراهُ، والتَّشْدِيدُ لِلتَّبْعِيدِ لِأنَّكَ تُسَبِّحُهُ أيْ تُبْعِدُهُ عَمّا لا يَجُوزُ عَلَيْهِ، وإنَّما حَسُنَ اسْتِعْمالُهُ في تَنْزِيهِ اللَّهِ عَمّا لا يَجُوزُ عَلَيْهِ مِن صِفاتِ الذّاتِ والفِعْلِ نَفْيًا وإثْباتًا لِأنَّ السَّمَكَةَ كَما أنَّها لا تَقْبَلُ النَّجاسَةَ فَكَذا الحَقُّ سُبْحانَهُ لا يَقْبَلُ ما لا يَنْبَغِي البَتَّةَ فاللَّفْظُ يُفِيدُ التَّنْزِيهَ في الذّاتِ والصِّفاتِ والأفْعالِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاةُ؛ لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ وارِدٌ في القُرْآنِ بِمَعْنى الصَّلاةِ قالَ تَعالى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾[الروم: ١٧] وقالَ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾[طه: ١٣٠] والَّذِي يُؤَكِّدُهُ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِن آخِرِ ما نَزَلَ، «وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ في آخِرِ مَرَضِهِ يَقُولُ: الصَّلاةَ وما مَلَكَتْ أيْمانُكم جَعَلَ يُلَجْلِجُها في صَدْرِهِ وما يَقْبِضُ بِها لِسانَهُ»، ثُمَّ قالَ بَعْضُهم: عُنِيَ بِهِ صَلاةُ الشُّكْرِ صَلّاها يَوْمَ الفَتْحِ ثَمانِ رَكَعاتٍ وقالَ آخَرُونَ: هي صَلاةُ الضُّحى، وقالَ آخَرُونَ: صَلّى ثَمانِ رَكَعاتٍ أرْبَعَةٌ لِلشُّكْرِ، وأرْبَعَةٌ الضُّحى، وتَسْمِيَةُ الصَّلاةِ بِالتَّسْبِيحِ لِما أنَّها لا تَنْفَكُّ عَنْهُ وفِيهِ تَنْبِيهٌ: عَلى أنَّهُ يَجِبُ تَنْزِيهُ صَلاتِكَ عَنْ أنْواعِ النَّقائِصِ في الأقْوالِ والأفْعالِ، واحْتَجَّ أصْحابُ القَوْلِ الأوَّلِ بِالأخْبارِ الكَثِيرَةِ الوارِدَةِ في ذَلِكَ، رَوَتْ عائِشَةُ «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ»، وقالَتْ أيْضًا: «كانَ الرَّسُولُ يَقُولُ كَثِيرًا في رُكُوعِهِ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي»، وعَنْها أيْضًا «كانَ نَبِيُّ اللَّهِ في آخِرِ أمْرِهِ لا يَقُومُ ولا يَقْعُدُ ولا يَذْهَبُ ولا يَجِيءُ إلّا قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّكَ تُكْثِرُ مِن قَوْلِكَ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ قالَ: إنِّي أُمِرْتُ بِها، وقَرَأ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ»﴾ .

وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الغَفُورُ»

ورُوِيَ أنَّهُ قالَ: «إنِّي لَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ» .

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى فَضْلِ التَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ حَيْثُ جُعِلَ كافِيًا في أداءِ ما وجَبَ عَلَيْهِ مِن شُكْرِ نِعْمَةِ النَّصْرِ والفَتْحِ، ولِمَ لا يَكُونُ كَذَلِكَ وقَوْلُهُ: الصَّوْمُ لِي مِن أعْظَمِ الفَضائِلِ لِلصَّوْمِ فَإنَّهُ أضافَهُ إلى ذاتِهِ، ثُمَّ إنَّهُ جَعَلَ صَدَفَ الصَّلاةِ مُساوِيًا لِلصَّوْمِ في هَذا التَّشْرِيفِ: ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ﴾[الجن: ١٨] فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّلاةَ أفْضَلُ مِنَ الصَّوْمِ بِكَثِيرٍ، ثُمَّ إنَّ الصَّلاةَ صَدَفٌ لِلْأذْكارِ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾[العنكبوت: ٤٥] وكَيْفَ لا يَكُونُ كَذَلِكَ، والثَّناءُ عَلَيْهِ مِمّا مَدَحَهُ مَعْلُومٌ عَقْلًا وشَرْعًا أمّا كَيْفِيَّةُ الصَّلاةِ فَلا

صفحة ١٤٨

سَبِيلَ إلَيْها إلّا بِالشَّرْعِ ولِذَلِكَ جُعِلَتِ الصَّلاةُ كالمُرَصَّعَةِ مِنَ التَّسْبِيحِ والتَّكْبِيرِ، فَإنْ قِيلَ: عَدَمُ وُجُوبِ التَّسْبِيحاتِ يَقْتَضِي أنَّها أقَلُّ دَرَجَةً مِن سائِرِ أعْمالِ الصَّلاةِ، قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ سائِرَ أفْعالِ الصَّلاةِ مِمّا لا يَمِيلُ القَلْبُ إلَيْهِ فاحْتِيجَ فِيها إلى الإيجابِ،