< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


يَنْزِلُ ذَلِكَ العَذابُ إذا أساءُوا في المُعامَلاتِ وسَعَوْا في الإيذاءِ والظُّلْمِ. ولِهَذا قالَ الفُقَهاءُ إنَّ حُقُوقَ اللَّهِ تَعالى مَبْناها عَلى المُسامَحَةِ والمُساهَلَةِ، وحُقُوقَ العِبادِ مَبْناها عَلى الضِّيقِ والشُّحِّ. ويُقالُ في الأثَرِ: المُلْكُ يَبْقى مَعَ الكُفْرِ ولا يَبْقى مَعَ الظُّلْمِ، فَمَعْنى الآيَةِ:﴿وما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ﴾ أيْ لا يُهْلِكُهم بِمُجَرَّدِ شِرْكِهِمْ إذا كانُوا مُصْلِحِينَ، يُعامِلُ بَعْضُهم بَعْضًا عَلى الصَّلاحِ والسَّدادِ. وهَذا تَأْوِيلُ أهْلِ السُّنَّةِ لِهَذِهِ الآيَةِ، قالُوا: والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ قَوْمَ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ إنَّما نَزَلَ عَلَيْهِمْ عَذابُ الِاسْتِئْصالِ لَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم مِن إيذاءِ النّاسِ وظُلْمِ الخَلْقِ.

والوَجْهُ الثّانِي: في التَّأْوِيلِ وهو الَّذِي تَخْتارُهُ المُعْتَزِلَةُ: هو أنَّهُ تَعالى لَوْ أهْلَكَهم حالَ كَوْنِهِمْ مُصْلِحِينَ لَما كانَ مُتَعالِيًا عَنِ الظُّلْمِ فَلا جَرَمَ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ بَلْ إنَّما يُهْلِكُهم لِأجْلِ سُوءِ أفْعالِهِمْ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ والمُعْتَزِلَةُ يَحْمِلُونَ هَذِهِ الآيَةَ عَلى مَشِيئَةِ الإلْجاءِ والإجْبارِ، وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ عَلَيْهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ والمُرادُ افْتِراقُ النّاسِ في الأدْيانِ والأخْلاقِ والأفْعالِ.

واعْلَمْ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى اسْتِقْصاءِ مَذاهِبِ العالَمِ في هَذا المَوْضِعِ، ومَن أرادَ ذَلِكَ فَلْيُطالِعْ كِتابَنا الَّذِي سَمَّيْناهُ بِالرِّياضِ المُونِقَةِ، إلّا أنّا نَذْكُرُ هَهُنا تَقْسِيمًا جامِعًا لِلْمَذاهِبِ، فَنَقُولُ: النّاسُ فَرِيقانِ، مِنهم مَن أقَرَّ بِالعُلُومِ الحِسِّيَّةِ كَعِلْمِنا بِأنَّ النّارَ حارَّةٌ والشَّمْسَ مُضِيئَةٌ، والعُلُومِ البَدِيهِيَّةِ كَعِلْمِنا بِأنَّ النَّفْيَ والإثْباتَ لا يَجْتَمِعانِ، ومِنهم مَن أنْكَرَهُما، والمُنْكِرُونَ هُمُ السُّوفِسْطائِيَّةُ، والمُقِرُّونَ هُمُ الجُمْهُورُ الأعْظَمُ مِن أهْلِ العالَمِ، وهم فَرِيقانِ:

مِنهم مَن سَلَّمَ أنَّهُ يُمْكِنُ تَرْكِيبُ تِلْكَ العُلُومِ البَدِيهِيَّةِ بِحَيْثُ يَسْتَنْتِجُ مِنها نَتائِجَ عِلْمِيَّةً نَظَرِيَّةً، ومِنهم مَن أنْكَرَهُ، وهُمُ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ أيْضًا النَّظَرَ إلى العُلُومِ، وهم قَلِيلُونَ، والأوَّلُونَ هُمُ الجُمْهُورُ الأعْظَمُ مِن أهْلِ

صفحة ٦٢

العالَمِ، وهم فَرِيقانِ:

مِنهم مَن لا يُثْبِتُ لِهَذا العالَمِ الجُسْمانِيِّ مَبْدَأً أصْلًا وهُمُ الأقَلُّونَ، ومِنهم مَن يُثْبِتُ لَهُ مَبْدَأً وهَؤُلاءِ فَرِيقانِ: مِنهم مَن يَقُولُ: ذَلِكَ المَبْدَأُ مُوجَبٌ بِالذّاتِ، وهم جُمْهُورُ الفَلاسِفَةِ في هَذا الزَّمانِ، ومِنهم مَن يَقُولُ: إنَّهُ فاعِلٌ مُخْتارٌ وهم أكْثَرُ أهْلِ العالَمِ، ثُمَّ هَؤُلاءِ فَرِيقانِ:

مِنهم مَن يَقُولُ: إنَّهُ ما أرْسَلَ رَسُولًا إلى العِبادِ، ومِنهم مَن يَقُولُ: إنَّهُ أرْسَلَ الرَّسُولَ، فالأوَّلُونَ هُمُ البَراهِمَةُ، والقِسْمَ الثّانِيَ أرْبابُ الشَّرائِعِ والأدْيانِ، وهُمُ المُسْلِمُونَ والنَّصارى واليَهُودُ والمَجُوسُ، وفي كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الطَّوائِفِ اخْتِلافاتٌ لا حَدَّ لَها ولا حَصْرَ، والعُقُولُ مُضْطَرِبَةٌ، والمَطالِبُ غامِضَةٌ، ومُنازَعاتُ الوَهْمِ والخَيالِ غَيْرُ مُنْقَطِعَةٍ، ولَمّا حَسُنَ مِن بُقْراطَ أنْ يَقُولَ في صِناعَةِ الطِّبِّ العُمْرُ قَصِيرٌ، والصِّناعَةُ طَوِيلَةٌ، والقَضاءُ عُسْرٌ، والتَّجْرِبَةُ خَطَرٌ، فَلِأنْ يَحْسُنَ ذِكْرُهُ في هَذِهِ المَطالِبِ العالِيَةِ والمَباحِثِ الغامِضَةِ، كانَ ذَلِكَ أوْلى.

فَإنْ قِيلَ: إنَّكم حَمَلْتُمْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ عَلى الِاخْتِلافِ في الأدْيانِ، فَما الدَّلِيلُ عَلَيْهِ، ولِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ عَلى الِاخْتِلافِ في الألْوانِ والألْسِنَةِ والأرْزاقِ والأعْمالِ ؟

قُلْنا: الدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ هو قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ فَيَجِبُ حَمْلُ هَذا الِاخْتِلافِ عَلى ما يُخْرِجُهم مِن أنْ يَكُونُوا أُمَّةً واحِدَةً، وما بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ هو قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ فَيَجِبُ حَمْلُ هَذا الِاخْتِلافِ عَلى مَعْنًى يَصِحُّ أنْ يُسْتَثْنى مِنهُ قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ وذَلِكَ لَيْسَ إلّا ما قُلْنا.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الهِدايَةَ والإيمانَ لا