< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah011
Hud (11)
Hud, makkah, 123 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
في البَرْزَخِ، أوْ مِقْدارِ وُقُوفِهِمْ لِلْحِسابِ ثُمَّ يَصِيرُونَ إلى النّارِ.
الوَجْهُ الرّابِعُ في الجَوابِ قالُوا: الِاسْتِثْناءُ يَرْجِعُ إلى قَوْلِهِ: ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ وتَقْرِيرُهُ أنْ نَقُولَ: قَوْلُهُ: ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾﴿خالِدِينَ فِيها﴾ يُفِيدُ حُصُولَ الزَّفِيرِ والشَّهِيقِ مَعَ الخُلُودِ، فَإذا دَخَلَ الِاسْتِثْناءُ عَلَيْهِ وجَبَ أنْ يَحْصُلَ وقْتٌ لا يَحْصُلُ فِيهِ هَذا المَجْمُوعُ، لَكِنَّهُ ثَبَتَ في المَعْقُولاتِ أنَّهُ كَما يَنْتَفِي المَجْمُوعُ بِانْتِفاءِ جَمِيعِ أجْزائِهِ فَكَذَلِكَ يَنْتَفِي بِانْتِفاءِ فَرْدٍ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ، فَإذا انْتَهَوْا آخِرَ الأمْرِ إلى أنْ يَصِيرُوا ساكِنِينَ هامِدِينَ خامِدِينَ، فَحِينَئِذٍ لَمْ يَبْقَ لَهم زَفِيرٌ وشَهِيقٌ، فانْتَفى أحَدُ أجْزاءِ ذَلِكَ المَجْمُوعِ، فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ ذَلِكَ الِاسْتِثْناءُ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى الحُكْمِ بِانْقِطاعِ كَوْنِهِمْ في النّارِ.
الوَجْهُ الخامِسُ في الجَوابِ: أنْ يُحْمَلَ هَذا الِاسْتِثْناءُ عَلى أنَّ أهْلَ العَذابِ لا يَكُونُونَ أبَدًا في النّارِ، بَلْ قَدْ يُنْقَلُونَ إلى البَرَدِ والزَّمْهَرِيرِ وسائِرِ أنْواعِ العَذابِ، وذَلِكَ يَكْفِي في صِحَّةِ هَذا الِاسْتِثْناءِ.
الوَجْهُ السّادِسُ في الجَوابِ: قالَ قَوْمٌ: هَذا الِاسْتِثْناءُ يُفِيدُ إخْراجَ أهْلِ التَّوْحِيدِ مِنَ النّارِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ﴾ يُفِيدُ أنَّ جُمْلَةَ الأشْقِياءِ مَحْكُومٌ عَلَيْهِمْ بِهَذا الحُكْمِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ يُوجِبُ أنْ لا يَبْقى ذَلِكَ الحُكْمُ عَلى ذَلِكَ المَجْمُوعِ، ويَكْفِي في زَوالِ حُكْمِ الخُلُودِ عَنِ المَجْمُوعِ زَوالُهُ عَنْ بَعْضِهِمْ، فَوَجَبَ أنْ لا يَبْقى حُكْمُ الخُلُودِ لِبَعْضِ الأشْقِياءِ، ولَمّا ثَبَتَ أنَّ الخُلُودَ واجِبٌ لِلْكُفّارِ وجَبَ أنْ يُقالَ: الَّذِينَ زالَ حُكْمُ الخُلُودِ عَنْهم هُمُ الفُسّاقُ مِن أهْلِ الصَّلاةِ، وهَذا كَلامٌ قَوِيٌّ في هَذا البابِ.
فَإنْ قِيلَ: فَهَذا الوَجْهُ إنَّما يَتَعَيَّنُ إذا فَسَدَتْ سائِرُ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها، فَما الدَّلِيلُ عَلى فَسادِها ؟ وأيْضًا فَمِثْلُ هَذا الِاسْتِثْناءِ مَذْكُورٌ في جانِبِ السُّعَداءِ، فَإنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ .
صفحة ٥٤
قُلْنا: إنّا بِهَذا الوَجْهِ بَيَّنّا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى انْقِطاعِ وعِيدِ الكُفّارِ، ثُمَّ إذا أرَدْنا الِاسْتِدْلالَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا في أنَّهُ تَعالى يُخْرِجُ الفُسّاقَ مِن أهْلِ الصَّلاةِ مِنَ النّارِ.قُلْنا: أمّا حَمْلُ كَلِمَةِ ”إلّا“ عَلى سِوى فَهو عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ، وأمّا حَمْلُ الِاسْتِثْناءِ عَلى حالِ عُمْرِ الدُّنْيا والبَرْزَخِ والمَوْقِفِ فَبَعِيدٌ أيْضًا؛ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ وقَعَ عَنِ الخُلُودِ في النّارِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الخُلُودَ في النّارِ كَيْفِيَّةٌ مِن كَيْفِيّاتِ الحُصُولِ في النّارِ، فَقَبْلَ الحُصُولِ في النّارِ امْتَنَعَ حُصُولُ الخُلُودِ في النّارِ، وإذا لَمْ يَحْصُلِ الخُلُودُ لَمْ يَحْصُلِ المُسْتَثْنى مِنهُ، وامْتَنَعَ حُصُولُ الِاسْتِثْناءِ، وأمّا قَوْلُهُ: الِاسْتِثْناءُ عائِدٌ إلى الزَّفِيرِ والشَّهِيقِ، فَهَذا أيْضًا تَرْكٌ لِلظّاهِرِ، فَلَمْ يَبْقَ لِلْآيَةِ مَحْمَلٌ صَحِيحٌ إلّا هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ.
وأمّا قَوْلُهُ: المُرادُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ نَقْلُهُ مِنَ النّارِ إلى الزَّمْهَرِيرِ، فَنَقُولُ: لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ العَذابُ بِالزَّمْهَرِيرِ إلّا بَعْدَ انْقِضاءِ مُدَّةِ السَّماواتِ والأرْضِ، والأخْبارُ الصَّحِيحَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ النَّقْلَ مِنَ النّارِ إلى الزَّمْهَرِيرِ وبِالعَكْسِ يَحْصُلُ في كُلِّ يَوْمٍ مِرارًا، فَبَطَلَ هَذا الوَجْهُ.
وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ مِثْلَ هَذا الِاسْتِثْناءِ حاصِلٌ في جانِبِ السُّعَداءِ، فَنَقُولُ: أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يُقالَ: إنَّ أحَدًا يَدْخُلُ الجَنَّةَ ثُمَّ يَخْرُجُ مِنها إلى النّارِ؛ فَلِأجْلِ هَذا الإجْماعِ افْتَقَرْنا فِيهِ إلى حَمْلِ ذَلِكَ الِاسْتِثْناءِ عَلى أحَدِ تِلْكَ التَّأْوِيلاتِ، أمّا في هَذِهِ الآيَةِ لَمْ يَحْصُلْ هَذا الإجْماعُ، فَوَجَبَ إجْراؤُها عَلى ظاهِرِها، فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ الآيَةِ.
* * *
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذا الِاسْتِثْناءَ