< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


أُخِذَ المُصَلِّي مِنَ الخَيْلِ الَّذِي يَتْلُو السّابِقَ؛ لِأنَّ رَأْسَهُ يَكُونُ عَلى صِلْوَيِ السّابِقِ، وهُما ناحِيَتا الفَخِذَيْنِ، والمُرادُ: دِينُكَ يَأْمُرُكَ بِذَلِكَ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ هَذِهِ الأعْمالُ المَخْصُوصَةُ، رُوِيَ أنَّ شُعَيْبًا كانَ كَثِيرَ الصَّلاةِ، وكانَ قَوْمُهُ إذا رَأوْهُ يُصَلِّي تَغامَزُوا وتَضاحَكُوا، فَقَصَدُوا بِقَوْلِهِمْ: ”أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ“ السُّخْرِيَةَ والهَزْءَ، وكَما أنَّكَ إذا رَأيْتَ مَعْتُوهًا يُطالِعُ كُتُبًا ثُمَّ يَذْكُرُ كَلامًا فاسِدًا فَيُقالُ لَهُ: هَذا مِن مُطالَعَةِ تِلْكَ الكُتُبِ - عَلى سَبِيلِ الهَزْءِ والسُّخْرِيَةِ، فَكَذا هَهُنا.

فَإنْ قِيلَ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: أصَلَواتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ، وهم إنَّما ذَكَرُوا هَذا الكَلامَ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، وهم ما كانُوا يُنْكِرُونَ كَوْنَهم فاعِلِينَ في أمْوالِهِمْ ما يَشاءُونَ، فَكَيْفَ وجْهُ التَّأْوِيلِ ؟

قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ: أصَلَواتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا، وأنْ نَتْرُكَ فِعْلَ ما نَشاءُ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿أوْ أنْ نَفْعَلَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما في قَوْلِهِ: ﴿ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ .

والثّانِي: أنْ تُجْعَلَ الصَّلاةُ آمِرَةً وناهِيَةً، والتَّقْدِيرُ: أصَلَواتُكَ تَأْمُرُكَ بِأنْ نَتْرُكَ عِبادَةَ الأوْثانِ، وتَنْهاكَ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ”أوْ أنْ تَفْعَلَ في أمْوالِنا ما تَشاءُ“ بِتاءِ الخِطابِ فِيهِما، وهو ما كانَ يَأْمُرُهم بِهِ مِن تَرْكِ التَّطْفِيفِ، والبَخْسِ، والِاقْتِناعِ بِالحَلالِ القَلِيلِ، وأنَّهُ خَيْرٌ مِنَ الحَرامِ الكَثِيرِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنَّكَ لَأنْتَ السَّفِيهُ الجاهِلُ، إلّا أنَّهم عَكَسُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ بِهِ، كَما يُقالُ لِلْبَخِيلِ الخَسِيسِ: لَوْ رَآكَ حاتِمٌ لَسَجَدَ لَكَ.

والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ: إنَّكَ مَوْصُوفٌ عِنْدَ نَفْسِكَ وعِنْدَ قَوْمِكَ بِالحِلْمِ والرُّشْدِ.

والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ مَشْهُورًا عِنْدَهم بِأنَّهُ حَلِيمٌ رَشِيدٌ، فَلَمّا أمَرَهم بِمُفارَقَةِ طَرِيقَتِهِمْ قالُوا لَهُ: إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ المَعْرُوفُ الطَّرِيقَةَ في هَذا البابِ، فَكَيْفَ تَنْهانا عَنْ دِينٍ ألْفَيْناهُ مِن آبائِنا وأسْلافِنا، والمَقْصُودُ اسْتِبْعادُ مِثْلِ هَذا العَمَلِ مِمَّنْ كانَ مَوْصُوفًا بِالحِلْمِ والرُّشْدِ، وهَذا الوَجْهُ أصْوَبُ الوُجُوهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ياقَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ورَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ إنْ أُرِيدُ إلّا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ وما تَوْفِيقِي إلّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾﴿ويا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ أوْ قَوْمَ هُودٍ أوْ قَوْمَ صالِحٍ وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما ذَكَرَهُ في الجَوابِ عَنْ كَلِماتِهِمْ، فالأوَّلُ قَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ورَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ إشارَةٌ إلى ما آتاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ العِلْمِ والهِدايَةِ والدِّينِ والنُّبُوَّةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ورَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ إشارَةٌ إلى ما آتاهُ اللَّهُ مِنَ المالِ الحَلالِ، فَإنَّهُ يُرْوى أنَّ شُعَيْبًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ كَثِيرَ المالِ.

واعْلَمْ أنَّ جَوابَ إنِ الشَّرْطِيَّةِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا آتانِي جَمِيعَ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ وهي البَيِّنَةُ، والسَّعاداتِ الجُسْمانِيَّةَ وهي المالُ والرِّزْقُ الحَسَنُ - فَهَلْ يَسَعُنِي مَعَ هَذا الإنْعامِ العَظِيمِ أنْ أخُونَ في وحْيِهِ، وأنْ أُخالِفَهُ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ ؟ وهَذا الجَوابُ شَدِيدُ المُطابَقَةِ لِما تَقَدَّمَ، وذَلِكَ لِأنَّهم قالُوا لَهُ: ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾فَكَيْفَ يَلِيقُ بِكَ مَعَ حِلْمِكَ ورُشْدِكَ أنْ تَنْهانا