< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


أُولِعَ فُلانٌ في الأمْرِ، وأُرْعِدَ زَيْدٌ، وزُهِيَ عَمْرٌو - مِنَ الزَّهْوِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لا يَجُوزُ وُرُودُ الفاعِلِ عَلى لَفْظِ المَفْعُولِ، وهَذِهِ الأفْعالُ حُذِفَ فاعِلُوها، فَتَأْوِيلُ ”أُولِعَ زَيْدٌ“ أنَّهُ أوْلَعَهُ طَبْعُهُ، و”أُرْعِدَ الرَّجُلُ“ أرْعَدَهُ غَضَبُهُ، و”زُهِيَ عَمْرٌو“ مَعْناهُ جَعَلَهُ مالُهُ زاهِيًا، و”أُهْرِعَ“ مَعْناهُ أهْرَعَهُ خَوْفُهُ أوْ حِرْصُهُ، واخْتَلَفُوا أيْضًا فَقالَ بَعْضُهم: الإهْراعُ هو الإسْراعُ مَعَ الرِّعْدَةِ، وقالَ آخَرُونَ: هو العَدْوُ الشَّدِيدُ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: قالَ قَتادَةُ: المُرادُ بَناتُهُ لِصُلْبِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المُرادُ نِساءُ أُمَّتِهِ؛ لِأنَّهُنَّ في أنْفُسِهِنَّ بَناتٌ، ولَهُنَّ إضافَةٌ إلَيْهِ بِالمُتابَعَةِ وقَبُولِ الدَّعْوَةِ، قالَ أهْلُ النَّحْوِ: يَكْفِي في حُسْنِ الإضافَةِ أدْنى سَبَبٍ؛ لِأنَّهُ كانَ نَبِيًّا لَهم، فَكانَ كالأبِ لَهم، قالَ تَعالى: ﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾[الأحْزابِ: ٦ ] وهو أبٌ لَهم، وهَذا القَوْلُ عِنْدِي هو المُخْتارُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ إقْدامَ الإنْسانِ عَلى عَرْضِ بَناتِهِ عَلى الأوْباشِ والفُجّارِ أمْرٌ مُسْتَبْعَدٌ، لا يَلِيقُ بِأهْلِ المُرُوءَةِ، فَكَيْفَ بِأكابِرِ الأنْبِياءِ ؟

الثّانِي: وهو أنَّهُ قالَ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ فَبَناتُهُ اللَّواتِي مِن صُلْبِهِ لا تَكْفِي لِلْجَمْعِ العَظِيمِ، أمّا نِساءُ أُمَّتِهِ فَفِيهِنَّ كِفايَةٌ لِلْكُلِّ.

الثّالِثُ: أنَّهُ صَحَّتِ الرِّوايَةُ أنَّهُ كانَ لَهُ بِنْتانِ، وهُما: زَنْتا، وزَعُورا، وإطْلاقُ لَفْظِ البَناتِ عَلى البِنْتَيْنِ لا يَجُوزُ؛ لِما ثَبَتَ أنَّ أقَلَّ الجَمَعِ ثَلاثَةٌ، فَأمّا القائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما دَعا القَوْمَ إلى الزِّنا بِالنُّسْوانِ، بَلِ المُرادُ أنَّهُ دَعاهم إلى التَّزَوُّجِ بِهِنَّ، وفِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ دَعاهم إلى التَّزَوُّجِ بِهِنَّ بِشَرْطِ أنْ يُقَدِّمُوا الإيمانَ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ يَجُوزُ تَزْوِيجُ المُؤْمِنَةِ مِنَ الكافِرِ في شَرِيعَتِهِ، وهَكَذا كانَ في أوَّلِ الإسْلامِ بِدَلِيلِ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - زَوَّجَ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ مِن أبِي العاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، وكانَ مُشْرِكًا، وزَوَّجَ ابْنَتَهُ مِن عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾[البَقَرَةِ: ٢٢١ ]، وبِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا﴾[البَقَرَةِ: ٢٢١ ]، واخْتَلَفُوا أيْضًا، فَقالَ الأكْثَرُونَ: كانَ لَهُ بِنْتانِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ ذَكَرَ الِاثْنَتَيْنِ بِلَفْظِ الجَمِيعِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ﴾[النِّساءِ: ١١ ]، ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التَّحْرِيمِ: ٤ ] وقِيلَ: إنَّهُنَّ كُنَّ أكْثَرَ مِنَ اثْنَتَيْنِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

صفحة ٢٨

المَسْألَةُ الأُولى: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَ العَمَلِ الَّذِي يَطْلُبُونَهُ طاهِرًا، ومَعْلُومٌ أنَّهُ فاسِدٌ؛ ولِأنَّهُ لا طَهارَةَ في نِكاحِ الرَّجُلِ، بَلْ هَذا جارٍ مَجْرى قَوْلِنا: اللَّهُ أكْبَرُ، والمُرادُ أنَّهُ كَبِيرٌ؛ ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾[الصّافّاتِ: ٦٢ ] ولا خَيْرَ فِيها، ولَمّا قالَ أبُو سُفْيانَ: اعْلُ أُحُدُ أوِ اعْلُ هُبَلُ، قالَ النَّبِيُّ: ”«اللَّهُ أعْلى وأجَلُّ» “، ولا مُقارَبَةَ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ الصَّنَمِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ، والحَسَنِ، وعِيسى بْنِ عُمَرَ، أنَّهم قَرَءُوا ”هُنَّ أطْهَرُ لَكم“ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ، كَما ذَكَرْنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾، إلّا أنَّ أكْثَرَ النَّحْوِيِّينَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ خَطَأٌ، قالُوا لَوْ قُرِئَ ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ﴾ كانَ هَذا نَظِيرَ قَوْلِهِ: ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ إلّا أنَّ كَلِمَةَ ”هُنَّ“ قَدْ وقَعَتْ في البَيْنِ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن جَعْلِ ”أطْهَرُ“ حالًا، وطَوَّلُوا فِيهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو ونافِعٌ ”ولا تُخْزُونِي“ بِإثْباتِ الياءِ عَلى الأصْلِ،