< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


الجَبَلَ ذَهَبًا إبْرِيزًا، فَلا شَكَّ أنَّهُ يَتَعَجَّبُ؛ نَظَرًا إلى أحْوالِ العادَةِ، لا لِأجْلِ أنَّهُ اسْتَنْكَرَ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى ذَلِكَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وهَذا بِعْلِي شَيْخًا﴾ فاعْلَمْ أنَّ ﴿شَيْخًا﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وهَذا مِن لَطائِفِ النَّحْوِ وغامِضِهِ، فَإنَّ كَلِمَةَ هَذا لِلْإشارَةِ، فَكَأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ قائِمٌ مَقامَ أنْ يُقالَ: أُشِيرَ إلى بَعْلِي حالَ كَوْنِهِ شَيْخًا، والمَقْصُودُ تَعْرِيفُ هَذِهِ الحالَةِ المَخْصُوصَةِ وهي الشَّيْخُوخَةُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ بَعْضُهم ”وهَذا بَعْلِي شَيْخٌ“ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هَذا بَعْلِي وهو شَيْخٌ، أوْ ”بَعْلِي“ بَدَلٌ مِنَ المُبْتَدَأِ، و”شَيْخٌ“ خَبَرٌ، أوْ يَكُونانِ مَعًا خَبَرَيْنِ، ثُمَّ حَكى تَعالى أنَّ المَلائِكَةَ قالُوا: ﴿أتَعْجَبِينَ مِن﴾

صفحة ٢٤

﴿أمْرِ اللَّهِ﴾ والمَعْنى: أنَّهم تَعَجَّبُوا مِن تَعَجُّبِها، ثُمَّ قالُوا: ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ ذِكْرُ ما يُزِيلُ ذَلِكَ التَّعَجُّبَ، وتَقْدِيرُهُ: إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم مُتَكاثِرَةٌ، وبَرَكاتِهِ لَدَيْكم مُتَوالِيَةٌ مُتَعاقِبَةٌ، وهي النُّبُوَّةُ، والمُعْجِزاتُ القاهِرَةُ، والتَّوْفِيقُ لِلْخَيْراتِ العَظِيمَةِ، فَإذا رَأيْتِ أنَّ اللَّهَ خَرَقَ العاداتِ في تَخْصِيصِكم بِهَذِهِ الكَراماتِ العالِيَةِ الرَّفِيعَةِ، وفي إظْهارِ خَوارِقِ العاداتِ، وإحْداثِ البَيِّناتِ والمُعْجِزاتِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ التَّعَجُّبُ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أهْلَ البَيْتِ﴾ فَإنَّهُ مَدْحٌ لَهم، فَهو نَصْبٌ عَلى النِّداءِ أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ، ثُمَّ أكَّدُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ والحَمِيدُ هو المَحْمُودُ، وهو الَّذِي تُحْمَدُ أفْعالُهُ، والمَجِيدُ: الماجِدُ، وهو ذُو الشَّرَفِ والكَرَمِ، ومِن مَحامِدِ الأفْعالِ إيصالُ العَبْدِ المُطِيعِ إلى مُرادِهِ ومَطْلُوبِهِ، ومِن أنْواعِ الفَضْلِ والكَرَمِ أنْ لا يُمْنَعَ الطّالِبُ عَنْ مَطْلُوبِهِ، فَإذا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى الكُلِّ، وأنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، فَكَيْفَ يَبْقى هَذا التَّعَجُّبُ في نَفْسِ الأمْرِ، فَثَبَتَ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الكَلِماتِ إزالَةُ التَّعَجُّبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ الخامِسَةُ، وهي قِصَّةُ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، واعْلَمْ أنَّ الرَّوْعَ هو الخَوْفُ، وهو ما أوْجَسَ مِنَ الخِيفَةِ حِينَ أنْكَرَ أضْيافَهُ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا زالَ الخَوْفُ وحَصَلَ السُّرُورُ بِسَبَبِ مَجِيءِ البُشْرى بِحُصُولِ الوَلَدِ، أخَذَ يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ، وجَوابُ ”لَمّا“ هو قَوْلُهُ: (أخَذَ) إلّا أنَّهُ حُذِفَ في اللَّفْظِ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، وقِيلَ تَقْدِيرُهُ: لَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ جادَلَنا.

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يُجادِلُنا﴾ أيْ يُجادِلُ رُسُلَنا.

فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ المُجادَلَةُ إنْ كانَتْ مَعَ اللَّهِ تَعالى فَهي جَراءَةٌ عَلى اللَّهِ، والجَراءَةُ عَلى اللَّهِ تَعالى مِن أعْظَمِ الذُّنُوبِ؛ ولِأنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ المُجادَلَةِ إزالَةُ ذَلِكَ الحُكْمِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما كانَ راضِيًا بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ كَفَرَ، وإنْ كانَتْ هَذِهِ المُجادَلَةُ مَعَ المَلائِكَةِ فَهي أيْضًا عَجِيبَةٌ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ المُجادَلَةِ أنْ يَتْرُكُوا إهْلاكَ قَوْمِ لُوطٍ، فَإنْ كانَ قَدِ اعْتَقَدَ فِيهِمْ أنَّهم مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ يُجادِلُونَ في هَذا الإهْلاكِ، فَهَذا سُوءُ ظَنٍّ بِهِمْ، وإنِ اعْتَقَدَ فِيهِمْ أنَّهم بِأمْرِ اللَّهِ جاءُوا، فَهَذِهِ المُجادَلَةُ تَقْتَضِي أنَّهُ كانَ يَطْلُبُ مِنهم مُخالَفَةَ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا مُنْكَرٌ.

والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

الوَجْهُ الأوَّلُ وهو الجَوابُ الإجْمالِيُّ: أنَّهُ تَعالى مَدَحَهُ عَقِيبَ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ ولَوْ كانَ هَذا الجَدَلُ مِنَ الذُّنُوبِ لَما ذُكِرَ عَقِيبَهُ ما يَدُلُّ عَلى المَدْحِ العَظِيمِ.

صفحة ٢٥

والوَجْهُ الثّانِي وهو الجَوابُ التَّفْصِيلِيُّ: أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ المُجادَلَةِ سَعْيُ إبْراهِيمَ في تَأْخِيرِ العَذابِ عَنْهم، وتَقْرِيرُهُ مِن وُجُوهٍ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ المَلائِكَةَ