< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah011
Hud (11)
Hud, makkah, 123 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
هَذا الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى هَذا السُّؤالِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ أنَّ هَذا السُّؤالَ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، أيْ قَوْلُكَ: إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي - لِطَلَبِ نَجاتِهِ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا السُّؤالَ كانَ ذَنْبًا ومَعْصِيَةً.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلا تَسْألْنِي﴾ نَهْيٌ لَهُ عَنِ السُّؤالِ، والمَذْكُورُ السّابِقُ هو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ تَعالى نَهاهُ عَنْ ذَلِكَ السُّؤالِ، فَكانَ ذَلِكَ السُّؤالُ ذَنْبًا ومَعْصِيَةً.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ السُّؤالَ كانَ قَدْ صَدَرَ لا عَنِ العِلْمِ، والقَوْلُ بِغَيْرِ العِلْمِ ذَنْبٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾[البَقَرَةِ: ١٦٩ ] .
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ السُّؤالَ كانَ مَحْضَ الجَهْلِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى غايَةِ التَّقْرِيعِ ونِهايَةِ الزَّجْرِ، وأيْضًا جَعْلُ الجَهْلِ كِنايَةً عَنِ الذَّنْبِ مَشْهُورٌ في القُرْآنِ، قالَ تَعالى: ﴿يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ﴾[النِّساءِ: ١٧ ] وقالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ .
الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - اعْتَرَفَ بِإقْدامِهِ عَلى الذَّنْبِ والمَعْصِيَةِ في هَذا المَقامِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وإلّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ واعْتِرافُهُ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ مُذْنِبًا.
الوَجْهُ السّادِسُ في التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الآيَةِ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ نُوحًا نادى رَبَّهُ لِطَلَبِ تَخْلِيصِ ولَدِهِ مِنَ الغَرَقِ، والآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ وهي قَوْلُهُ: ﴿ونادى نُوحٌ ابْنَهُ﴾[هُودٍ: ٤٢ ] وقالَ: ﴿يابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا﴾[هُودٍ: ٤٢ ] تَدَلُّ عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - طَلَبَ مِنَ ابْنِهِ المُوافَقَةَ، فَنَقُولُ: إمّا أنْ يُقالَ: إنَّ طَلَبَ هَذا المَعْنى مِنَ اللَّهِ كانَ سابِقًا عَلى طَلَبِهِ مِنَ الوَلَدِ، أوْ كانَ بِالعَكْسِ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ طَلَبُ هَذا المَعْنى مِنَ اللَّهِ تَعالى سابِقًا عَلى طَلَبِهِ مِنَ الِابْنِ لَكانَ قَدْ سَمِعَ مِنَ اللَّهِ أنَّهُ تَعالى لا يُخَلِّصُ ذَلِكَ الِابْنَ مِنَ الغَرَقِ، وأنَّهُ تَعالى نَهاهُ عَنْ ذَلِكَ الطَّلَبِ، وبَعْدَ هَذا كَيْفَ قالَ لَهُ: ﴿يابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾[هُودٍ: ٤٢ ] وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّ هَذا الطَّلَبَ مِنَ الِابْنِ كانَ مُتَقَدِّمًا فَكانَ قَدْ سَمِعَ مِنَ الِابْنِ قَوْلَهُ: ﴿سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾[هُودٍ: ٤٣ ] وظَهَرَ بِذَلِكَ كُفْرُهُ، فَكَيْفَ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَخْلِيصَهُ ؟ وأيْضًا أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّ نُوحًا لَمّا طَلَبَ ذَلِكَ مِنهُ
صفحة ٥
وامْتَنَعَ هو، صارَ مِنَ المُغْرَقِينَ، فَكَيْفَ يَطْلُبُ مِنَ اللَّهِ تَخْلِيصَهُ مِنَ الغَرَقِ بَعْدَ أنْ صارَ مِنَ المُغْرَقِينَ ؟ فَهَذِهِ الآيَةُ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ السِّتَّةِ تَدَلُّ عَلى صُدُورِ المَعْصِيَةِ مِن نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا دَلَّتِ الدَّلائِلُ الكَثِيرَةُ عَلى وُجُوبِ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنَ المَعاصِي، وجَبَ حَمْلُ هَذِهِ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ عَلى تَرْكِ الأفْضَلِ والأكْمَلِ، وحَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ حَصَلَ هَذا العِتابُ والأمْرُ بِالِاسْتِغْفارِ، ولا يَدُلُّ عَلى سابِقَةِ الذَّنْبِ كَما قالَ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾﴿ورَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا﴾﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ﴾[النَّصْرِ: ١ - ٣ ] ومَعْلُومٌ أنَّ مَجِيءَ نَصْرِ اللَّهِ والفَتْحِ ودُخُولَ النّاسِ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا لَيْسَتْ بِذَنْبٍ يُوجِبُ الِاسْتِغْفارَ، وقالَ تَعالى: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾[مُحَمَّدٍ: ١٩ ]ولَيْسَ جَمِيعُهم مُذْنِبِينَ، فَدَلَّ ذَلِكَ