< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah011
Hud (11)
Hud, makkah, 123 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
واخْتَلَفُوا فِيما لِأجْلِهِ كانُوا يَسْخَرُونَ، وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: يا نُوحُ، كُنْتَ تَدَّعِي رِسالَةَ اللَّهِ تَعالى، فَصِرْتَ بَعْدَ ذَلِكَ نَجّارًا.
وثانِيها: أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لَهُ: لَوْ كُنْتَ صادِقًا في دَعْواكَ لَكانَ إلَهُكَ يُغْنِيكَ عَنْ هَذا العَمَلِ الشّاقِّ.
وثالِثُها: أنَّهم ما رَأوُا السَّفِينَةَ قَبْلَ ذَلِكَ وما عَرَفُوا كَيْفِيَّةَ الِانْتِفاعِ بِها، وكانُوا يَتَعَجَّبُونَ مِنهُ ويَسْخَرُونَ.
ورابِعُها: أنَّ تِلْكَ السَّفِينَةَ كانَتْ كَبِيرَةً، وهو كانَ يَصْنَعُها في مَوْضِعٍ بَعِيدٍ عَنِ الماءِ جِدًّا، وكانُوا يَقُولُونَ: لَيْسَ هَهُنا ماءٌ ولا يُمْكِنُكَ نَقْلُها إلى الأنْهارِ العَظِيمَةِ وإلى البِحارِ، فَكانُوا يَعُدُّونَ ذَلِكَ مِن بابِ السَّفَهِ والجُنُونِ.
وخامِسُها: أنَّهُ لَمّا طالَتْ مُدَّتُهُ مَعَ القَوْمِ وكانَ يُنْذِرُهم بِالغَرَقِ وما شاهَدُوا مِن ذَلِكَ المَعْنى خَبَرًا ولا أثَرًا غَلَبَ عَلى ظُنُونِهِمْ كَوْنُهُ كاذِبًا في ذَلِكَ المَقالِ، فَلَمّا اشْتَغَلَ بِعَمَلِ السَّفِينَةِ لا جَرَمَ سَخِرُوا مِنهُ، وكُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ مُحْتَمَلَةٌ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: ﴿إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا في هَذِهِ السّاعَةِ فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم سُخْرِيَةً مِثْلَ سُخْرِيَتِكم إذا وقَعَ عَلَيْكُمُ الغَرَقُ في الدُّنْيا والخِزْيُ في الآخِرَةِ.
الثّانِي: إنْ حَكَمْتُمْ عَلَيْنا بِالجَهْلِ فِيما نَصْنَعُ فَإنّا نَحْكُمُ عَلَيْكم بِالجَهْلِ فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والتَّعَرُّضِ لِسُخْطِ اللَّهِ تَعالى وعَذابِهِ، فَأنْتُمْ أوْلى بِالسُّخْرِيَةِ مِنّا.
الثّالِثُ: إنْ تَسْتَجْهِلُونا فَإنّا نَسْتَجْهِلُكم، واسْتِجْهالُكم أقْبَحُ وأشَدُّ؛ لِأنَّكم لا تَسْتَجْهِلُونَ إلّا لِأجْلِ الجَهْلِ بِحَقِيقَةِ الأمْرِ والِاغْتِرارِ بِظاهِرِ الحالِ كَما هو عادَةُ الأطْفالِ والجُهّالِ.
فَإنْ قِيلَ: السُّخْرِيَةُ مِن آثارِ المَعاصِي، فَكَيْفَ يَلِيقُ ذَلِكَ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ؟
قُلْنا: إنَّهُ تَعالى سَمّى المُقابَلَةَ سُخْرِيَةً كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾[الشُّورى: ٤٠] .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ أيْ: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن هو أحَقُّ بِالسُّخْرِيَةِ ومَن هو أحْمَدُ عاقِبَةً، وفي قَوْلِهِ: ﴿مَن يَأْتِيهِ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا بِمَعْنى أيْ كَأنَّهُ قِيلَ: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ أيُّنا يَأْتِيهِ عَذابٌ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فَمَحَلُّ ”مَن“ رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي ويَكُونُ في مَحَلِّ النَّصْبِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ أيْ يَجِبُ عَلَيْهِ ويَنْزِلُ بِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ ومَن آمَنَ وما آمَنَ مَعَهُ إلّا قَلِيلٌ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ (حَتّى) هي الَّتِي يُبْتَدَأُ بَعْدَها الكَلامُ أُدْخِلَتْ عَلى الجُمْلَةِ مِنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ ووَقَعَتْ غايَةً لِقَوْلِهِ: ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ أيْ: فَكانَ يَصْنَعُها إلى أنْ جاءَ وقْتُ المَوْعِدِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الأمْرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ لا يَحْدُثُ شَيْءٌ إلّا بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾[النَّحْلِ: ٤٠] فَكانَ المُرادُ هَذا.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأمْرِ هَهُنا هو العَذابَ المُوعَدَ بِهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في التَّنُّورِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ التَّنُّورُ الَّذِي يُخْبَزُ فِيهِ.
والثّانِي: أنَّهُ غَيْرُهُ، أمّا الأوَّلُ وهو أنَّهُ التَّنُّورُ الَّذِي يُخْبَزُ فِيهِ فَهو قَوْلُ جَماعَةٍ عَظِيمَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ كابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ. وهَؤُلاءِ اخْتَلَفُوا، فَمِنهم مَن قالَ: إنَّهُ تَنُّورٌ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: كانَ لِآدَمَ، قالَ الحَسَنُ: كانَ تَنُّورًا مِن حِجارَةٍ، وكانَ لِحَوّاءَ حَتّى صارَ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، واخْتَلَفُوا في مَوْضِعِهِ فَقالَ الشَّعْبِيُّ: إنَّهُ كانَ بِناحِيَةِ الكُوفَةِ، وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ