< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


وُجُودِ الإيمانِ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ انْقِلابَ خَبَرِ اللَّهِ كَذِبًا وعِلْمِ اللَّهِ جَهْلًا مُحالٌ، ولَمّا كانَ صُدُورُ الإيمانِ مِنهم لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عَلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ وثَبَتَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مُحالٌ كانَ صُدُورُ الإيمانِ مِنهم مُحالًا، مَعَ أنَّهم كانُوا مَأْمُورِينَ بِهِ، وأيْضًا القَوْمُ كانُوا مَأْمُورِينَ بِالإيمانِ، ومِنَ الإيمانِ تَصْدِيقُ اللَّهِ تَعالى في كُلِّ ما أخْبَرَ عَنْهُ. ومِنهُ قَوْلُهُ:﴿أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ فَيَلْزَمُ أنْ يُقالَ: إنَّهم كانُوا مَأْمُورِينَ بِأنْ يُؤْمِنُوا بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ البَتَّةَ. وذَلِكَ تَكْلِيفُ الجَمْعِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ. وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ قَدْ مَرَّ في هَذا الكِتابِ مِرارًا وأطْوارًا.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفَ المُعْتَزِلَةُ في أنَّهُ هَلْ يَجُوزُ أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ تَعالى عَذابَ الِاسْتِئْصالِ عَلى قَوْمٍ كانَ في المَعْلُومِ أنَّ فِيهِمْ مَن يُؤْمِنُ أوْ كانَ في أوْلادِهِمْ مَن يُؤْمِنُ، فَقالَ قَوْمٌ: إنَّهُ لا يَجُوزُ. واحْتَجُّوا بِما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ ولا يَلِدُوا إلّا فاجِرًا كَفّارًا﴾[نُوحٍ: ٢٦، ٢٧]، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما حَسُنَ مِنهُ تَعالى إنْزالُ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ عَلَيْهِمْ؛ لِأجْلِ أنَّهُ تَعالى عَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ مَن يُؤْمِنُ، ولا في أوْلادِهِمْ أحَدٌ يُؤْمِنُ. قالَ القاضِي وقالَ كَثِيرٌ مِن عُلَمائِنا: إنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى جائِزٌ، وإنْ كانَ مِنهم مَن يُؤْمِنُ. وأمّا قَوْلُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾[نُوحٍ: ٢٦] فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما سَألَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهُ كانَ في المَعْلُومِ أنَّهم يُضِلُّونَ عِبادَهُ ولا يَلِدُونَ إلّا فاجِرًا كَفّارًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الحُكْمَ كانَ قَوْلًا بِمَجْمُوعِ هاتَيْنِ العِلَّتَيْنِ، وأيْضًا فَلا دَلِيلَ فِيهِ عَلى أنَّهُما لَوْ لَمْ يَحْصُلا لَما جازَ إنْزالُ الإهْلاكِ، والأقْرَبُ أنْ يُقالَ: إنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لِشِدَّةِ مَحَبَّتِهِ لِإيمانِهِمْ كانَ سَألَ رَبَّهُ أنْ يُبْقِيَهم، فَأعْلَمَهُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ مِنهم أحَدٌ لِيَزُولَ عَنْ قَلْبِهِ ما كانَ قَدْ حَصَلَ فِيهِ مِن تِلْكَ المَحَبَّةِ؛ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى مِن بَعْدُ: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ أيْ: لا تَحْزَنْ مِن ذَلِكَ ولا تَغْتَمَّ، ولا تَظُنَّ أنَّ في ذَلِكَ مَذَلَّةً؛ فَإنَّ الدِّينَ عَزِيزٌ، وإنْ قَلَّ عَدَدُ مَن يَتَمَسَّكُ بِهِ، والباطِلَ ذَلِيلٌ وإنْ كَثُرَ عَدَدُ مَن يَقُولُ بِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ يَقْتَضِي تَعْرِيفَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ مُعَذِّبُهم ومُهْلِكُهم، فَكانَ يَحْتَمِلُ أنْ يُعَذِّبَهم بِوُجُوهِ التَّعْذِيبِ، فَعَرَّفَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يُعَذِّبُهم بِهَذا الجِنْسِ الَّذِي هو الغَرَقُ، ولَمّا كانَ السَّبِيلُ الَّذِي بِهِ يَحْصُلُ النَّجاةُ مِنَ الغَرَقِ تَكْوِينَ السَّفِينَةِ، لا جَرَمَ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِإصْلاحِ السَّفِينَةِ وإعْدادِها، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ أنْ يَصْنَعَها عَلى مِثالِ جُؤْجُؤِ الطّائِرِ.

فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ﴾ أمْرُ إيجابٍ أوْ أمْرُ إباحَةٍ ؟

صفحة ١٧٨

قُلْنا: الأظْهَرُ أنَّهُ أمْرُ إيجابٍ؛ لِأنَّهُ لا سَبِيلَ لَهُ إلى صَوْنِ رُوحِ نَفْسِهِ وأرْواحِ غَيْرِهِ عَنِ الهَلاكِ إلّا بِهَذا الطَّرِيقِ، وصَوْنُ النَّفْسِ عَنِ الهَلاكِ واجِبٌ، وما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلّا بِهِ فَهو واجِبٌ، ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ الأمْرُ أمْرَ إيجابٍ، بَلْ كانَ أمْرَ إباحَةٍ، وهو بِمَنزِلَةِ أنْ يَتَّخِذَ الإنْسانُ لِنَفْسِهِ دارًا لِيَسْكُنَها ويُقِيمَ بِها.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿بِأعْيُنِنا﴾ فَهَذا لا يُمْكِنُ إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ