< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah011
Hud (11)
Hud, makkah, 123 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
نُوحٍ ومَعَ قَوْمِهِ، والمُرادُ مِنهُ تَكْذِيبُ نُوحٍ في دَعْوى الرِّسالَةِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ هَذا خِطابًا مَعَ الأراذِلِ فَنَسَبُوهم إلى أنَّهم كَذَبُوا في أنْ آمَنُوا بِهِ واتَّبَعُوهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: الأرْذَلُ جَمْعُ رَذْلٍ، وهو الدُّونُ مِن كُلِّ شَيْءٍ في مَنظَرِهِ وحالاتِهِ، ورَجُلٌ رَذْلُ الثِّيابِ والفِعْلِ. والأراذِلُ جَمْعُ الأرْذَلِ، كَقَوْلِهِمْ: أكابِرُ مُجْرِمِيها، وقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أحاسِنُكم أخْلاقًا» “، فَعَلى هَذا الأراذِلُ جَمْعُ الجَمْعِ، وقالَ بَعْضُهم: الأصْلُ فِيهِ أنْ يُقالَ: هو أرْذَلُ مِن كَذا ثُمَّ كَثُرَ حَتّى قالُوا: هو الأرْذَلُ، فَصارَتِ الألِفُ واللّامُ عِوَضًا عَنِ الإضافَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿بادِيَ الرَّأْيِ﴾ البادِي هو الظّاهِرُ مِن قَوْلِكَ: بَدا الشَّيْءُ إذا ظَهَرَ، ومِنهُ يُقالُ: بادِيَةٌ لِظُهُورِها وبُرُوزِها لِلنّاظِرِ، واخْتَلَفُوا في بادِيَ الرَّأْيِ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: اتَّبَعُوكَ في الظّاهِرِ وباطِنُهم بِخِلافِهِ.
والثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ اتَّبَعُوكَ في ابْتِداءِ حُدُوثِ الرَّأْيِ وما احْتاطُوا في ذَلِكَ الرَّأْيِ وما أعْطَوْهُ حَقَّهُ مِنَ الفِكْرِ الصّائِبِ والتَّدَبُّرِ الوافِي.
الثّالِثُ: أنَّهم لَمّا وصَفُوا القَوْمَ بِالرَّذالَةِ قالُوا: كَوْنُهم كَذَلِكَ بادِيَ الرَّأْيِ أمْرٌ ظاهِرٌ لِكُلِّ مَن يَراهم، والرَّأْيُ عَلى هَذا المَعْنى مِن رَأْيِ العَيْنِ لا مِن رَأْيِ القَلْبِ، ويَتَأكَّدُ هَذا التَّأْوِيلُ بِما نُقِلَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ”إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ العَيْنِ“ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ أبُو عَمْرٍو ونُصَيْرٌ عَنِ الكِسائِيِّ ”بادِئَ“ بِالهَمْزَةِ والباقُونَ بِالياءِ غَيْرَ مَهْمُوزٍ، فَمَن قَرَأ: ”بادِئَ“ بِالهَمْزَةِ فالمَعْنى أوَّلُ الرَّأْيِ وابْتِداؤُهُ، ومَن قَرَأ بِالياءِ غَيْرَ مَهْمُوزٍ كانَ مِن بَدا يَبْدُو أيْ ظَهَرَ. و﴿بادِيَ﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ كَقَوْلِكَ: ضَرَبْتُ أوَّلَ الضَّرْبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ياقَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكم أنُلْزِمُكُمُوها وأنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى شُبُهاتِ مُنْكِرِي نُبُوَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَكى بَعْدَهُ ما يَكُونُ جَوابًا عَنْ تِلْكَ الشُّبُهاتِ.
صفحة ١٧١
فالشُّبْهَةُ الأُولى: قَوْلُهم: ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ فَقالَ نُوحٌ: حُصُولُ المُساواةِ في البَشَرِيَّةِ لا يَمْنَعُ مِن حُصُولِ المُفارَقَةِ في صِفَةِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ الطَّرِيقَ الدّالَّ عَلى إمْكانِهِ، فَقالَ: ﴿أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ مِن مَعْرِفَةِ ذاتِ اللَّهِ وصِفاتِهِ وما يَجِبُ وما يَمْتَنِعُ وما يَجُوزُ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى آتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ، والمُرادُ بِتِلْكَ الرَّحْمَةِ: إمّا النُّبُوَّةُ وإمّا المُعْجِزَةُ الدّالَّةُ عَلى النُّبُوَّةِ ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: صارَتْ مَظِنَّةً مُشْتَبِهَةً مُلْتَبِسَةً في عُقُولِكم، فَهَلْ أقْدِرُ عَلى أنْ أجْعَلَكم بِحَيْثُ تَصِلُونَ إلى مَعْرِفَتِها شِئْتُمْ أمْ أبَيْتُمْ ؟ والمُرادُ أنِّي لا أقْدِرُ عَلى ذَلِكَ البَتَّةَ. وعَنْ قَتادَةَ: واللَّهِ لَوِ اسْتَطاعَ نَبِيُّ اللَّهِ لَأُلْزِمَها ولَكِنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ. وحاصِلُ الكَلامِ أنَّهم لَمّا قالُوا: ﴿وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ ذَكَرَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ الحُجَّةَ عُمِّيَتْ عَلَيْكم واشْتَبَهَتْ، فَأمّا لَوْ تَرَكْتُمُ العِنادَ واللَّجاجَ ونَظَرْتُمْ في الدَّلِيلِ لَظَهَرَ المَقْصُودُ، وتَبَيَّنَ أنَّ اللَّهَ تَعالى آتانا عَلَيْكم فَضْلًا عَظِيمًا.المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ بِضَمِّ العَيْنِ وتَشْدِيدِ المِيمِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، بِمَعْنى أُلْبِسَتْ وشُبِّهَتْ، والباقُونَ بِفَتْحِ العَيْنِ مُخَفَّفَةَ المِيمِ، أيِ: التَبَسَتْ واشْتَبَهَتْ.
واعْلَمْ أنَّ الشَّيْءَ إذا بَقِيَ مَجْهُولًا مَحْضًا أشْبَهَ المُعَمّى؛ لِأنَّ العِلْمَ نُورُ البَصِيرَةِ الباطِنَةِ، والأبْصارَ نُورُ البَصَرِ الظّاهِرِ، فَحَسُنَ جَعْلُ كُلِّ واحِدٍ مِنها مَجازًا عَنِ الآخَرِ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ البَيِّنَةَ تُوصَفُ بِالأبْصارِ، قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً﴾[النَّمْلِ: ١٣] وكَذَلِكَ تُوصَفُ بِالعَمى، قالَ تَعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ﴾