< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


لَهُ هَذِهِ الصِّفاتُ الثَّلاثَةُ فَهم أصْحابُ الجَنَّةِ، ويَحْصُلُ لَهُمُ الخُلُودُ في الجَنَّةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كالأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الفَرِيقَيْنِ ذَكَرَ فِيهِما مِثالًا مُطابِقًا ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقِيلَ: إنَّهُ راجِعٌ إلى مَن ذُكِرَ آخِرًا مِنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ مِن قَبْلُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ رَجَعَ إلى قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾[هُودٍ: ١٧] ثُمَّ ذَكَرَ مِن بَعْدِهِ الكافِرِينَ ووَصَفَهم بِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ ولا يُبْصِرُونَ، والسَّمِيعُ والبَصِيرُ هُمُ الَّذِينَ وصَفَهُمُ اللَّهُ بِأنَّهم عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِمْ.

واعْلَمْ أنَّ وجْهَ التَّشْبِيهِ هو أنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ الإنْسانَ مُرَكَّبًا مِنَ الجَسَدِ ومِنَ النَّفْسِ، وكَما أنَّ لِلْجَسَدِ بَصَرًا وسَمْعًا فَكَذَلِكَ حَصَلَ لِجَوْهَرِ الرُّوحِ سَمْعٌ وبَصَرٌ، وكَما أنَّ الجَسَدَ إذا كانَ أعْمى أصَمَّ بَقِيَ مُتَحَيِّرًا لا

صفحة ١٦٨

يَهْتَدِي إلى شَيْءٍ مِنَ المَصالِحِ، بَلْ يَكُونُ كالتّائِهِ في حَضِيضِ الظُّلُماتِ لا يُبْصِرُ نُورًا يَهْتَدِي بِهِ، ولا يَسْمَعُ صَوْتًا، فَكَذَلِكَ الجاهِلُ الضّالُّ المُضِلُّ، يَكُونُ أعْمى وأصَمَّ القَلْبِ، فَيَبْقى في ظُلُماتِ الضَّلالاتِ حائِرًا تائِهًا.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ مُنَبِّهًا عَلى أنَّهُ يُمْكِنُهُ عِلاجُ هَذا العَمى وهَذا الصَّمَمِ، وإذا كانَ العِلاجُ مُمْكِنًا مِنَ الضَّرَرِ الحاصِلِ بِسَبَبِ حُصُولِ هَذا العَمى وهَذا الصَّمَمِ وجَبَ عَلى العاقِلِ أنْ يَسْعى في ذَلِكَ العِلاجِ بِقَدْرِ الإمْكانِ.

واعْلَمْ أنَّهُ قَدْ جَرَتِ العادَةُ بِأنَّهُ تَعالى إذا أوْرَدَ عَلى الكافِرِ أنْواعَ الدَّلائِلِ أتْبَعَها بِالقَصَصِ؛ لِيَصِيرَ ذِكْرُها مُؤَكِّدًا لِتِلْكَ الدَّلائِلِ عَلى ما قَرَّرْنا هَذا المَعْنى في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، وفي هَذِهِ السُّورَةِ ذَكَرَ أنْواعًا مِنَ القَصَصِ:

القِصَّةُ الأُولى

قِصَّةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قَدْ بَدَأ بِذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ يُونُسَ، وقَدْ أعادَها في هَذِهِ السُّورَةِ أيْضًا؛ لِما فِيها مِن زَوائِدِ الفَوائِدِ وبَدائِعِ الحِكَمِ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ: ”أنِّي“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والمَعْنى: أرْسَلْنا نُوحًا بِأنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ، ومَعْناهُ أرْسَلْناهُ مُلْتَبِسًا بِهَذا الكَلامِ، وهو قَوْلُهُ: ”أنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ“، فَلَمّا اتَّصَلَ بِهِ حَرْفُ الجَرِّ وهو الباءُ فُتِحَ كَما فُتِحَ في كانَ، وأمّا سائِرُ القُرّاءِ فَقَرَءُوا: ﴿إنِّي﴾ بِالكَسْرِ عَلى مَعْنى: قالَ: ﴿إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ مِنَ النَّذِيرِ كَوْنُهُ مُهَدِّدًا لِلْعُصاةِ بِالعِقابِ، ومِنَ المُبِينِ كَوْنُهُ مُبَيِّنًا ما أعَدَّ اللَّهُ لِلْمُطِيعِينَ مِنَ الثَّوابِ، والأوْلى أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ نَذِيرٌ لِلْعُصاةِ مِنَ العِقابِ، وأنَّهُ مُبِينٌ بِمَعْنى أنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ الإنْذارَ عَلى الطَّرِيقِ الأكْمَلِ والبَيانِ الأقْوى الأظْهَرِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ الإنْذارَ إنَّما حَصَلَ في النَّهْيِ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ وفي الأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ النَّفْيِ، وهو يُوجِبُ نَفْيَ غَيْرِ المُسْتَثْنى.

واعْلَمْ أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ بِهَذا الكَلامِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ .

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾، فَقَوْلُهُ: ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنِّي لَكم نَذِيرٌ﴾ ثُمَّ إنَّهُ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾، والمَعْنى أنَّهُ لَمّا حَصَلَ الألَمُ العَظِيمُ في ذَلِكَ