< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


شِئْتَ أنْ تَسْتَوْفِيَ مِنهُمُ القِصاصَ، فاذْكُرْهم بِوَصْفِ ذَمٍّ بِحَيْثُ تَكُونُ صادِقًا فِيهِ:﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ لَكِنَّ الفَرْقَ أنَّهم عابُوكَ بِما لَيْسَ مِن فِعْلِكَ وأنْتَ تَعِيبُهم بِما هو فِعْلُهم.

وتاسِعُها: أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ تَقُولَ: يا أيُّها الكافِرُونَ لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَهُ، والكُفّارُ يَقُولُونَ: هَذا كَلامُ رَبِّكَ أمْ كَلامُكَ، فَإنْ كانَ كَلامَ رَبِّكَ فَرَبُّكَ يَقُولُ: أنا لا أعْبُدُ هَذِهِ الأصْنامَ، ونَحْنُ لا نَطْلُبُ هَذِهِ العِبادَةَ مِن رَبِّكَ إنَّما نَطْلُبُها مِنكَ، وإنْ كانَ هَذا كَلامَكَ فَأنْتَ قُلْتَ مِن عِنْدِ نَفْسِكَ: إنِّي لا أعْبُدُ هَذِهِ الأصْنامَ، فَلِمَ قُلْتَ: إنَّ رَبَّكَ هو الَّذِي أمَرَكَ بِذَلِكَ، أمّا لِما قالَ: قُلْ، سَقَطَ هَذا الِاعْتِراضُ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَأْمُورٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى بِأنْ لا يَعْبُدَها ويَتَبَرَّأ مِنها.

وعاشِرُها: أنَّهُ لَوْ أنْزَلَ قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ لَكانَ يَقْرَؤُها عَلَيْهِمْ لا مَحالَةَ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَخُونَ في الوَحْيِ إلّا أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿قُلْ﴾ كانَ ذَلِكَ كالتَّأْكِيدِ في إيجابِ تَبْلِيغِ هَذا الوَحْيِ إلَيْهِمْ، والتَّأْكِيدُ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ أمْرٌ عَظِيمٌ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ تَدُلُّ هَذِهِ الكَلِمَةُ عَلى أنَّ الَّذِي قالُوهُ وطَلَبُوهُ مِنَ الرَّسُولِ أمْرٌ مُنْكَرٌ في غايَةِ القُبْحِ ونِهايَةِ الفُحْشِ.

الحادِيَ عَشَرَ: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: كانَتِ التَّقِيَّةُ جائِزَةً عِنْدَ الخَوْفِ، أمّا الآنَ لَمّا قَوَّيْنا قَلْبَكَ بِقَوْلِنا: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾[الكوثر: ١] وبِقَوْلِنا: ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ فَلا تُبالِ بِهِمْ ولا تَلْتَفِتْ إلَيْهِمْ و﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ .

الثّانِيَ عَشَرَ: أنَّ خِطابَ اللَّهِ تَعالى مَعَ العَبْدِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ يُوجِبُ التَّعْظِيمَ ألا تَرى أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن أقْسامِ إهانَةِ الكُفّارِ أنَّهُ تَعالى لا يُكَلِّمُهم، فَلَوْ قالَ: ﴿ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ لَكانَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهُ خِطابُ مُشافَهَةٍ يُوجِبُ التَّعْظِيمَ، ومِن حَيْثُ إنَّهُ وصْفٌ لَهم بِالكُفْرِ يُوجِبُ الإيذاءَ فَيَنْجَبِرُ الإيذاءُ بِالإكْرامِ، أمّا لَمّا قالَ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ فَحِينَئِذٍ يَرْجِعُ تَشْرِيفُ

صفحة ١٢٩

المُخاطَبَةِ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وتَرْجِعُ الإهانَةُ الحاصِلَةُ لَهم بِسَبَبِ وصْفِهِمْ بِالكُفْرِ إلى الكُفّارِ، فَيَحْصُلُ فِيهِ تَعْظِيمُ الأوْلِياءِ، وإهانَةُ الأعْداءِ، وذَلِكَ هو النِّهايَةُ في الحُسْنِ.

الثّالِثَ عَشَرَ: أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِنهم، وكانَ في غايَةِ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ والرَّأْفَةِ بِهِمْ، وكانُوا يَعْلَمُونَ مِنهُ أنَّهُ شَدِيدُ الِاحْتِرازِ عَنِ الكَذِبِ، والأبُ الَّذِي يَكُونُ في غايَةِ الشَّفَقَةِ بِوَلَدِهِ، ويَكُونُ في نِهايَةِ الصِّدْقِ والبُعْدِ عَنِ الكَذِبِ، ثُمَّ إنَّهُ يَصِفُ ولَدَهُ بِعَيْبٍ عَظِيمٍ فالوَلَدُ إنْ كانَ عاقِلًا يَعْلَمُ أنَّهُ ما وصَفَهُ بِذَلِكَ مَعَ غايَةِ شَفَقَتِهِ عَلَيْهِ إلّا لِصِدْقِهِ في ذَلِكَ؛ ولِأنَّهُ بَلَغَ مَبْلَغًا لا يَقْدِرُ عَلى إخْفائِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ﴾ يا مُحَمَّدُ لَهم: ﴿أيُّها الكافِرُونَ﴾ لِيَعْلَمُوا أنَّكَ لَمّا وصَفْتَهم بِذَلِكَ مَعَ غايَةِ شَفَقَتِكَ عَلَيْهِمْ وغايَةِ احْتِرازِكَ عَنِ الكَذِبِ فَهم مَوْصُوفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ القَبِيحَةِ، فَرُبَّما يَصِيرُ ذَلِكَ داعِيًا لَهم إلى البَراءَةِ مِن هَذِهِ الصِّفَةِ والِاحْتِرازِ عَنْها.

الرّابِعَ عَشَرَ: أنَّ الإيذاءَ والإيحاشَ مِن ذَوِي القُرْبى أشَدُّ وأصْعَبُ مِنَ الغَيْرِ فَأنْتَ مِن قَبِيلَتِهِمْ، ونَشَأْتَ فِيما بَيْنَ أظْهُرِهِمْ فَقُلْ لَهم: ﴿ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ فَلَعَلَّهُ يَصْعُبُ ذَلِكَ الكَلامُ عَلَيْهِمْ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ داعِيًا لَهم إلى البَحْثِ والنَّظَرِ والبَراءَةِ عَنِ الكُفْرِ.

الخامِسَ عَشَرَ: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: ألَسْنا بَيَّنّا في سُورَةِ: ﴿والعَصْرِ﴾﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾[العصر: ٣] وفي سُورَةِ الكَوْثَرِ: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ وأتَيْتَ بِالإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحاتِ، بِمُقْتَضى قَوْلِنا: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾[الكوثر: ٢]بَقِيَ عَلَيْكَ التَّواصِي بِالحَقِّ والتَّواصِي بِالصَّبْرِ، وذَلِكَ هو أنْ تَمْنَعَهم بِلِسانِكَ وبُرْهانِكَ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ،