< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah108
Al-Kawthar (108)
Abundance, makkah, 3 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾[النساء: ١٦٤] بَلْ هَذا أشْرَفُ؛ لِأنَّ المَوْلى إذا شافَهَ عَبْدَهُ بِالتِزامِ التَّرْبِيَةِ والإحْسانِ كانَ ذَلِكَ أعْلى مِمّا إذا شافَهَهُ في غَيْرِ هَذا المَعْنى، بَلْ يُفِيدُ قُوَّةً في القَلْبِ ويُزِيلُ الجُبْنَ عَنِ النَّفْسِ، فَثَبَتَ أنَّ مُخاطَبَةَ اللَّهِ إيّاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ مِمّا يُزِيلُ الخَوْفَ عَنِ القَلْبِ والجُبْنَ عَنِ النَّفْسِ، فَقَدَّمَ هَذِهِ السُّورَةَ عَلى سُورَةِ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾[الكافرون: ١] حَتّى يُمْكِنَهُ الِاشْتِغالُ بِذَلِكَ التَّكْلِيفِ الشّاقِّ والإقْدامِ عَلى تَكْفِيرِ جَمِيعِ العالَمِ، وإظْهارِ البَراءَةِ عَنْ مَعْبُودِهِمْ فَلَمّا امْتَثَلْتَ أمْرِي، فانْظُرْ كَيْفَ أنْجَزْتُ لَكَ الوَعْدَ، وأعْطَيْتُكَ كَثْرَةَ الأتْباعِ والأشْياعِ، إنَّ أهْلَ الدُّنْيا يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا تَمَّ أمْرُ الدَّعْوَةِ وإظْهارِ الشَّرِيعَةِ، شَرَعَ في بَيانِ ما يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ القَلْبِ والباطِنِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الطّالِبَ إمّا أنْ يَكُونَ طَلَبُهُ مَقْصُورًا عَلى الدُّنْيا، أوْ يَكُونَ طالِبًا لِلْآخِرَةِ، أمّا طالِبُ الدُّنْيا فَلَيْسَ لَهُ إلّا الخَسارُ والذُّلُّ والهَوانُ، ثُمَّ يَكُونُ مَصِيرُهُ إلى النّارِ، وهو المُرادُ مِن سُورَةِ تَبَّتْ، وأمّا طالِبُ الآخِرَةِ فَأعْظَمُ أحْوالِهِ أنْ تَصِيرَ نَفْسُهُ كالمِرْآةِ الَّتِي تَنْتَقِشُ فِيها صُوَرُ المَوْجُوداتِ، وقَدْ ثَبَتَ في العُلُومِ العَقْلِيَّةِ أنَّ طَرِيقَ الخَلْقِ في مَعْرِفَةِ الصّانِعِ عَلى وجْهَيْنِ: مِنهم مَن عَرَفَ الصّانِعَ، ثُمَّ تَوَسَّلَ بِمَعْرِفَتِهِ إلى مَعْرِفَةِ مَخْلُوقاتِهِ، وهَذا هو الطَّرِيقُ الأشْرَفُ الأعْلى، ومِنهم مَن عَكَسَ وهو طَرِيقُ الجُمْهُورِ.
صفحة ١١٤
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ خَتَمَ كِتابَهُ الكَرِيمَ بِتِلْكَ الطَّرِيقِ الَّتِي هي أشْرَفُ الطَّرِيقَيْنِ، فَبَدَأ بِذِكْرِ صِفاتِ اللَّهِ وشَرْحِ جَلالِهِ، وهو سُورَةُ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾[الإخلاص: ١] ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ مَراتِبِ مَخْلُوقاتِهِ في سُورَةِ: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾[الفلق: ١] ثُمَّ خَتَمَ الأمْرَ بِذِكْرِ مَراتِبِ النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ، وعِنْدَ ذَلِكَ خَتَمَ الكِتابَ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ إنَّما يَتَّضِحُ تَفْصِيلُها عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ عَلى التَّفْصِيلِ، فَسُبْحانَ مَن أرْشَدَ العُقُولَ إلى مَعْرِفَةِ هَذِهِ الأسْرارِ الشَّرِيفَةِ المُودَعَةِ في كِتابِهِ الكَرِيمِ.الفائِدَةُ الثّانِيَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ هي أنَّ كَلِمَةَ: (إنّا) تارَةً يُرادُ بِها الجَمْعُ وتارَةً يُرادُ بِها التَّعْظِيمُ.
أمّا الأوَّلُ: فَقَدْ دَلَّ عَلى أنَّ الإلَهَ واحِدٌ، فَلا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى الجَمْعِ، إلّا إذا أُرِيدَ أنَّ هَذِهِ العَطِيَّةَ مِمّا سَعى في تَحْصِيلِها المَلائِكَةُ وجِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ والأنْبِياءُ المُتَقَدِّمُونَ، حِينَ سَألَ إبْراهِيمُ إرْسالَكَ، فَقالَ: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾[البقرة: ١٢٩] وقالَ مُوسى: رَبِّ اجْعَلْنِي مِن أُمَّةِ أحْمَدَ. وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ إذْ قَضَيْنا إلى مُوسى الأمْرَ﴾[القصص: ٤٤] وبَشَّرَ بِكَ المَسِيحُ في قَوْلِهِ: ﴿ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾[الصف: ٦] .
وأمّا الثّانِي: وهو أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلى التَّعْظِيمِ، فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى عَظَمَةِ العَطِيَّةِ لِأنَّ الواهِبَ هو جَبّارُ السَّماواتِ والأرْضِ والمَوْهُوبَ مِنهُ، هو المُشارُ إلَيْهِ بِكافِ الخِطابِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ﴾ والهِبَةُ هي الشَّيْءُ المُسَمّى بِالكَوْثَرِ، وهو ما يُفِيدُ المُبالَغَةَ في الكَثْرَةِ، ولَمّا أشْعَرَ اللَّفْظُ بِعِظَمِ الواهِبِ والمَوْهُوبِ مِنهُ والمَوْهُوبِ، فَيا لَها مِن نِعْمَةٍ ما أعْظَمَها، وما أجَلَّها، ويا لَهُ مِن تَشْرِيفٍ ما أعْلاهُ.
* * *
الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ الهَدِيَّةَ وإنْ كانَتْ قَلِيلَةً لَكِنَّها بِسَبَبِ كَوْنِها واصِلَةً مِنَ المُهْدِي العَظِيمِ تَصِيرُ عَظِيمَةً، ولِذَلِكَ فَإنَّ المَلِكَ العَظِيمَ إذا رَمى تُفّاحَةً لِبَعْضِ عَبِيدِهِ عَلى سَبِيلِ الإكْرامِ يُعَدُّ ذَلِكَ إكْرامًا عَظِيمًا، لا لِأنَّ لَذَّةَ الهَدِيَّةِ في نَفْسِها، بَلْ لِأنَّ صُدُورَها مِنَ المُهْدِي العَظِيمِ يُوجِبُ كَوْنَها عَظِيمَةً، فَهَهُنا الكَوْثَرُ وإنْ كانَ في نَفْسِهِ في غايَةِ الكَثْرَةِ، لَكِنَّهُ بِسَبَبِ صُدُورِهِ مِن مَلِكِ الخَلائِقِ يَزْدادُ عَظْمَةً وكَمالًا.