< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah108
Al-Kawthar (108)
Abundance, makkah, 3 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
هو الأبْتَرُ﴾ أيِ الَّذِي قالُوهُ فِيكَ كَلامٌ فاسِدٌ يَضْمَحِلُّ ويَفْنى، وأمّا المَدْحُ الَّذِي ذَكَرْناهُ فِيكَ، فَإنَّهُ باقٍ عَلى وجْهِ الدَّهْرِ.
وسادِسُها: أنَّ رَجُلًا قامَ إلى الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَيْهِما السَّلامُ، وقالَ: سَوَّدْتَ وُجُوهَ المُؤْمِنِينَ بِأنْ تَرَكْتَ الإمامَةَ لِمُعاوِيَةَ، فَقالَ: لا تُؤْذِنِي يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ رَأى بَنِي أُمَيَّةَ في المَنامِ يَصْعَدُونَ مِنبَرَهُ رَجُلًا فَرَجُلًا فَساءَهُ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾، ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾[القدر: ١] فَكانَ مُلْكُ بَنِي أُمَيَّةَ كَذَلِكَ، ثُمَّ انْقَطَعُوا وصارُوا مَبْتُورِينَ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الكُفّارُ لَمّا شَتَمُوهُ، فَهو تَعالى أجابَ عَنْهُ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ، فَقالَ: ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ وهَكَذا سُنَّةُ الأحْبابِ، فَإنَّ الحَبِيبَ إذا سَمِعَ مَن يَشْتُمُ حَبِيبَهُ تَوَلّى بِنَفْسِهِ جَوابَهُ، فَهَهُنا تَوَلّى الحَقُّ سُبْحانَهُ جَوابَهم، وذَكَرَ مِثْلَ ذَلِكَ في مَواضِعَ حِينَ قالُوا: ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾﴿أافْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾[سبأ: ٧] فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَّلالِ البَعِيدِ﴾[سبأ: ٨] وحِينَ قالُوا: هو مَجْنُونٌ أقْسَمَ ثَلاثًا، ثُمَّ قالَ: ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾[القلم: ٢] ولَمّا قالُوا: ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾[الرعد: ٤٣] أجابَ فَقالَ: ﴿يس﴾﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾[يس: ٣] وحِينَ قالُوا: ﴿أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾[الصافات: ٣٦] رَدَّ عَلَيْهِمْ وقالَ: ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾[الصافات: ٣٧] فَصَدَّقَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ وعِيدَ خُصَمائِهِ، وقالَ: ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾[الصافات: ٣٨] وحِينَ قالَ حاكِيًا: ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ﴾[الطور: ٣٠] قالَ: ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ﴾[يس: ٦٩] ولَمّا حَكى عَنْهم قَوْلَهم: ﴿إنْ هَذا إلّا إفْكٌ افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾[الفرقان: ٤] سَمّاهم كاذِبِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾[الفرقان: ٤] ولَمّا قالُوا: ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾[الفرقان: ٧] أجابَهم فَقالَ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾[الفرقان: ٢٠] فَما أجَلَّ هَذِهِ الكَرامَةَ.المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَشَّرَهُ بِالنِّعَمِ العَظِيمَةِ، وعَلِمَ تَعالى أنَّ النِّعْمَةَ لا تَهْنَأُ إلّا إذا صارَ العَدُوُّ مَقْهُورًا، لا جَرَمَ وعَدَهُ بِقَهْرِ العَدُوِّ، فَقالَ: ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ وفِيهِ لَطائِفُ:
إحْداها: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: لا أفْعَلُهُ لِكَيْ يَرى بَعْضَ أسْبابِ دَوْلَتِكَ، وبَعْضَ أسْبابِ مِحْنَةِ نَفْسِهِ فَيَقْتُلَهُ الغَيْظُ.
وثانِيها: وصَفَهُ بِكَوْنِهِ شانِئًا، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: هَذا الَّذِي يُبْغِضُكَ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ آخَرَ سِوى أنَّهُ يُبْغِضُكَ، والمُبْغِضُ إذا عَجَزَ عَنِ الإيذاءِ، فَحِينَئِذٍ يَحْتَرِقُ قَلْبُهُ غَيْظًا وحَسَدًا، فَتَصِيرُ تِلْكَ العَداوَةُ مِن أعْظَمِ أسْبابِ حُصُولِ المِحْنَةِ لِذَلِكَ العَدُوِّ.
وثالِثُها: أنَّ هَذا التَّرْتِيبَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما صارَ أبْتَرَ؛ لِأنَّهُ كانَ شانِئًا لَهُ ومُبْغِضًا، والأمْرُ بِالحَقِيقَةِ كَذَلِكَ، فَإنَّ مَن عادى مَحْسُودًا فَقَدْ عادى اللَّهَ تَعالى، لا سِيَّما مَن تَكَفَّلَ بِإعْلاءِ شَأْنِهِ وتَعْظِيمِ مَرْتَبَتِهِ.
ورابِعُها: أنَّ العَدُوَّ وصَفَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالقِلَّةِ والذِّلَّةِ، ونَفْسَهُ بِالكَثْرَةِ والدَّوْلَةِ، فَقَلَبَ اللَّهُ الأمْرَ عَلَيْهِ، وقالَ العَزِيزُ مَن أعَزَّهُ اللَّهُ، والذَّلِيلُ مَن أذَلَّهُ اللَّهُ، فالكَثْرَةُ والكَوْثَرُ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والأبْتَرِيَّةُ والدَّناءَةُ والذِّلَّةُ لِلْعَدُوِّ، فَحَصَلَ بَيْنَ أوَّلِ السُّورَةِ وآخِرِها نَوْعٌ مِنَ المُطابَقَةِ لِطَيْفٌ.
* * *
صفحة ١٢٦
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ مَن تَأمَّلَ في مَطالِعِ هَذِهِ السُّورَةِ ومَقاطِعِها عَرَفَ أنَّ الفَوائِدَ الَّتِي ذَكَرْناها بِالنِّسْبَةِ إلى ما اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ مِن فَوائِدِ هَذِهِ السُّورَةِ كالقَطْرَةِ في البَحْرِ، رُوِيَ عَنْ مُسَيْلِمَةَ أنَّهُ عارَضَها فَقالَ: إنّا أعْطَيْناكَ الجَماهِرَ،