< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah108
Al-Kawthar (108)
Abundance, makkah, 3 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
المُؤْمِنِينَ.
وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ﴾ لَيْسَ في صَرِيحِ لَفْظِهِ أنَّ هَذا القائِلَ هو اللَّهُ أوْ غَيْرُهُ، وأيْضًا كَلِمَةُ: ”إنّا“ تَحْتَمِلُ الجَمْعَ كَما تَحْتَمِلُ الواحِدَ المُعَظِّمَ نَفْسَهُ، فَلَوْ قالَ: صَلِّ لَنا، لَنُفِيَ ذَلِكَ الِاحْتِمالُ وهو أنَّهُ ما كانَ يَعْرِفُ أنَّ هَذِهِ الصَّلاةَ لِلَّهِ وحْدَهُ أمْ لَهُ ولِغَيْرِهِ عَلى سَبِيلِ التَّشْرِيكِ، فَلِهَذا تَرَكَ اللَّفْظَ، وقالَ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ لِيَكُونَ ذَلِكَ إزالَةً لِذَلِكَ الِاحْتِمالِ وتَصْرِيحًا بِالتَّوْحِيدِ في الطّاعَةِ والعَمَلِ لِلَّهِ تَعالى.
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ: فَصَلِّ لِلَّهِ؛ لِأنَّ لَفْظَ الرَّبِّ يُفِيدُ التَّرْبِيَةَ المُتَقَدِّمَةَ المُشارَ إلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ ويُفِيدُ الوَعْدَ الجَمِيلَ في المُسْتَقْبَلِ أنَّهُ يُرَبِّيهِ ولا يَتْرُكُهُ.
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: في الآيَةِ سُؤالانِ:
أحَدُهُما: أنَّ المَذْكُورَ عَقِبَ الصَّلاةِ هو الزَّكاةُ، فَلِمَ كانَ المَذْكُورُ هَهُنا هو النَّحْرَ ؟ .
والثّانِي: لِمَ لَمْ يَقُلْ: ضَحِّ حَتّى يَشْمَلَ جَمِيعَ أنْواعِ الضَّحايا ؟
والجَوابُ: عَنِ الأوَّلِ، أمّا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: المُرادُ مِنَ الصَّلاةِ صَلاةُ العِيدِ، فالأمْرُ ظاهِرٌ فِيهِ، وأمّا عَلى قَوْلِ مَن حَمَلَهُ عَلى مُطْلَقِ الصَّلاةِ، فَلِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ المُشْرِكِينَ كانَتْ صَلَواتُهم وقَرابِينُهم لِلْأوْثانِ، فَقِيلَ لَهُ: اجْعَلْهُما لِلَّهِ.
وثانِيها: أنَّ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ يَدْخُلُ في مِلْكِهِ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيا، بَلْ كانَ يَمْلِكُ بِقَدْرِ الحاجَةِ، فَلا جَرَمَ لَمْ تَجِبِ الزَّكاةُ عَلَيْهِ، أمّا النَّحْرُ فَقَدْ كانَ واجِبًا عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ: ”«ثَلاثٌ كُتِبَتْ عَلَيَّ ولَمْ تُكْتَبْ عَلى أُمَّتِي: الضُّحى والأضْحى والوِتْرُ» “ .
وثالِثُها: أنَّ أعَزَّ الأمْوالِ عِنْدَ العَرَبِ، هو الإبِلُ فَأمَرَهُ بِنَحْرِها وصَرَفَها إلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى تَنْبِيهًا عَلى قَطْعِ العَلائِقِ النَّفْسانِيَّةِ عَنْ لَذّاتِ الدُّنْيا وطَيِّباتِها، رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أهْدى مِائَةَ بَدَنَةٍ فِيها جَمَلٌ لِأبِي جَهْلٍ في أنْفِهِ بُرَةٌ مِن ذَهَبٍ فَنَحَرَ هو عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى أعْيا، ثُمَّ أمَرَ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ، وكانَتِ النُّوقُ يَزْدَحِمْنَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ، فَلَمّا أخَذَ عَلِيٌّ السِّكِّينَ تَباعَدَتْ مِنهُ» .
والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنَّ الصَّلاةَ أعْظَمُ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ فَقَرَنَ بِها أعْظَمَ أنْواعِ الضَّحايا، وأيْضًا فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّكَ بَعْدَ فَقْرِكَ تَصِيرُ بِحَيْثُ تَنْحَرُ المِائَةَ مِنَ الإبِلِ.
المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى وُجُوبِ تَقْدِيمِ الصَّلاةِ عَلى النَّحْرِ، لا لِأنَّ الواوَ تُوجِبُ التَّرْتِيبَ، بَلْ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «ابْدَءُوا بِما بَدَأ اللَّهُ بِهِ» .
المَسْألَةُ العاشِرَةُ: السُّورَةُ مَكِّيَّةُ في أصَحِّ الأقْوالِ، وكانَ الأمْرُ بِالنَّحْرِ جارِيًا مُجْرى البِشارَةِ بِحُصُولِ الدَّوْلَةِ، وزَوالِ الفَقْرِ والخَوْفِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في سَبَبِ النُّزُولِ وُجُوهًا:
أحَدُها: «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَخْرُجُ مِنَ المَسْجِدِ، والعاصُ بْنُ وائِلٍ السَّهْمِيُّ يَدْخُلُ فالتَقَيا فَتَحَدَّثا، وصَنادِيدُ قُرَيْشٍ في المَسْجِدِ، فَلَمّا دَخَلَ قالُوا مَنِ الَّذِي كُنْتَ صفحة ١٢٤
القَوْلُ الثّانِي: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لَمّا قَدِمَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ مَكَّةَ أتاهُ جَماعَةُ قُرَيْشٍ فَقالُوا: نَحْنُ أهْلُ السِّقايَةِ والسَّدانَةِ وأنْتَ سَيِّدُ أهْلِ المَدِينَةِ، فَنَحْنُ خَيْرٌ أمْ هَذا الأبْتَرُ مِن قَوْمِهِ، يَزْعُمُ أنَّهُ خَيْرٌ مِنّا ؟ فَقالَ: بَلْ أنْتُمْ خَيْرٌ مِنهُ فَنَزَلَ: ﴿إنَّ شانِئَكَ هو