< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah108
Al-Kawthar (108)
Abundance, makkah, 3 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
.
فَإذا كانَ يُباهِي بِمَن لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ التَّكْلِيفِ، فَكَيْفَ بِمِثْلِ هَذا الجَمِّ الغَفِيرِ ؟ فَلا جَرَمَ حَسُنَ مِنهُ تَعالى أنْ يُذَكِّرَهُ هَذِهِ النِّعْمَةَ الجَسِيمَةَ، فَقالَ: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ .
القَوْلُ التّاسِعُ: (الكَوْثَرَ) الفَضائِلُ الكَثِيرَةُ الَّتِي فِيهِ، فَإنَّهُ بِاتِّفاقِ الأُمَّةِ أفْضَلُ مِن جَمِيعِ الأنْبِياءِ، قالَ المُفَضَّلُ بْنُ سَلَمَةَ: يُقالُ رَجُلٌ كَوْثَرٌ إذا كانَ سَخِيًّا كَثِيرَ الخَيْرِ، وفي صِحاحِ اللُّغَةِ: (الكَوْثَرُ) السَّيِّدُ الكَثِيرُ الخَيْرِ، فَلَمّا رَزَقَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا هَذِهِ الفَضائِلَ العَظِيمَةَ حَسُنَ مِنهُ تَعالى أنْ يُذَكِّرَهُ تِلْكَ النِّعْمَةَ الجَسِيمَةَ، فَيَقُولَ: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ .
القَوْلُ العاشِرُ: الكَوْثَرُ رِفْعَةُ الذِّكْرِ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ .
القَوْلُ الحادِيَ عَشَرَ: أنَّهُ العِلْمُ قالُوا: وحَمْلُ الكَوْثَرِ عَلى هَذا أوْلى لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ العِلْمَ هو الخَيْرُ الكَثِيرُ قالَ: ﴿وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾[النساء: ١١٣] وأمَرَهُ بِطَلَبِ العِلْمِ، فَقالَ: ﴿وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾[طه: ١١٤] وسَمّى الحِكْمَةَ خَيْرًا كَثِيرًا، فَقالَ: ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾[البقرة: ٢٦٩] .
وثانِيها: أنّا إمّا أنْ نَحْمِلَ الكَوْثَرَ عَلى نِعَمِ الآخِرَةِ، أوْ عَلى نِعَمِ الدُّنْيا، والأوَّلُ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّهُ قالَ: أعْطَيْنا، ونِعَمُ الجَنَّةِ سَيُعْطِيها لا أنَّهُ أعْطاها، فَوَجَبَ حَمْلُ الكَوْثَرِ عَلى ما وصَلَ إلَيْهِ في الدُّنْيا، وأشْرَفُ الأُمُورِ الواصِلَةِ إلَيْهِ في الدُّنْيا هو العِلْمُ والنُّبُوَّةُ داخِلَةٌ في العِلْمِ، فَوَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى العِلْمِ.
وثالِثُها: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ قالَ عَقِيبَهُ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ والشَّيْءُ الَّذِي يَكُونُ مُتَقَدِّمًا عَلى العِبادَةِ هو المَعْرِفَةُ، ولِذَلِكَ قالَ في سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ﴾[النحل: ٢] وقالَ في طه: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي﴾[طه: ١٤] فَقَدَّمَ في السُّورَتَيْنِ المَعْرِفَةَ عَلى العِبادَةِ؛ ولِأنَّ فاءَ التَّعْقِيبِ في قَوْلِهِ: (فَصَلِّ) تَدُلُّ عَلى أنَّ إعْطاءَ الكَوْثَرِ كالمُوجِبِ لِهَذِهِ العِبادَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ المُوجِبَ لِلْعِبادَةِ لَيْسَ إلّا العِلْمَ.
القَوْلُ الثّانِيَ عَشَرَ: أنَّ الكَوْثَرَ هو الخُلُقُ الحَسَنُ، قالُوا: الِانْتِفاعُ بِالخُلُقِ الحَسَنِ عامٌّ يَنْتَفِعُ بِهِ العالِمُ والجاهِلُ والبَهِيمَةُ والعاقِلُ، فَأمّا الِانْتِفاعُ بِالعِلْمِ، فَهو مُخْتَصٌّ بِالعُقَلاءِ، فَكانَ نَفْعُ الخُلُقِ الحَسَنِ أعَمَّ، فَوَجَبَ حَمْلُ الكَوْثَرِ عَلَيْهِ، ولَقَدْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَذَلِكَ كانَ لِلْأجانِبِ كالوالِدِ يَحُلُّ عُقَدَهم ويَكْفِي مُهِمَّهَمُ، وبَلَغَ حُسْنُ خُلُقِهِ إلى أنَّهم لَمّا كَسَرُوا سِنَّهُ، قالَ: ”«اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ» “ .
القَوْلُ الثّالِثَ عَشَرَ: الكَوْثَرُ هو المَقامُ المَحْمُودُ الَّذِي هو الشَّفاعَةُ، فَقالَ في الدُّنْيا: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾[الأنفال: ٣٣] وقالَ في الآخِرَةِ: «شَفاعَتِي لِأهْلِ الكَبائِرِ مِن أُمَّتِي» وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةً مُسْتَجابَةً وإنِّي خَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ القِيامَةِ» .
القَوْلُ الرّابِعَ عَشَرَ: أنَّ المُرادَ مِنَ الكَوْثَرِ هو هَذِهِ السُّورَةُ، قالَ: وذَلِكَ لِأنَّها مَعَ قِصَرِها وافِيَةٌ بِجَمِيعِ مَنافِعِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وذَلِكَ لِأنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى المُعْجِزِ مِن وُجُوهٍ:
أوَّلُها: أنّا إذا حَمَلْنا
صفحة ١٢٠
الكَوْثَرَ عَلى كَثْرَةِ الأتْباعِ، أوْ عَلى كَثْرَةِ الأوْلادِ، وعَدَمِ انْقِطاعِ النَّسْلِ كانَ هَذا إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ، وقَدْ وقَعَ مُطابِقًا لَهُ، فَكانَ مُعْجِزًا.وثانِيها: أنَّهُ قالَ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ وهو إشارَةٌ إلى زَوالِ الفَقْرِ حَتّى يَقْدِرَ عَلى النَّحْرِ، وقَدْ وقَعَ فَيَكُونُ هَذا أيْضًا إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ وكانَ الأمْرُ عَلى ما أخْبَرَ فَكانَ مُعْجِزًا.
ورابِعُها: أنَّهم عَجَزُوا عَنْ مُعارَضَتِها مَعَ صِغَرِها، فَثَبَتَ أنَّ وجْهَ الإعْجازِ في كَمالِ القُرْآنِ، إنَّما تَقَرَّرَ بِها لِأنَّهم