< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


في بَعْضِ أجْزاءِ الصَّلاةِ، فَثَبَتَ أنَّ السَّهْوَ في الصَّلاةِ مِن أفْعالِ المُؤْمِنِ، والسَّهْوَ عَنِ الصَّلاةِ مِن أفْعالِ الكافِرِ.

ثالِثُها: أنْ يَكُونَ مَعْنى: (ساهُونَ) أيْ لا يَتَعَهَّدُونَ أوْقاتَ صَلَواتِهِمْ ولا شَرائِطَها، ومَعْناهُ أنَّهُ لا يُبالِي سَواءٌ صَلّى أوْ لَمْ يُصَلِّ، وهو قَوْلُ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ ومَسْرُوقٍ والحَسَنِ ومُقاتِلٍ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في سَهْوِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في صَلاتِهِ، فَقالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: إنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ما سَها، لَكِنَّ اللَّهَ تَعالى أذِنَ لَهُ في ذَلِكَ الفِعْلِ حَتّى يَفْعَلَ ما يَفْعَلُهُ السّاهِي فَيَصِيرَ ذَلِكَ بَيانًا لِذَلِكَ الشَّرْعِ بِالفِعْلِ، والبَيانُ بِالفِعْلِ أقْوى، ثُمَّ بِتَقْدِيرِ وُقُوعِ السَّهْوِ مِنهُ، فالسَّهْوُ عَلى أقْسامٍ:

أحَدُها: سَهْوُ الرَّسُولِ والصَّحابَةِ وذَلِكَ مُنْجَبِرٌ تارَةً بِسُجُودِ السَّهْوِ وتارَةً بِالسُّنَنِ والنَّوافِلِ.

والثّانِي: ما يَكُونُ في الصَّلاةِ مِنَ الغَفْلَةِ وعَدَمِ اسْتِحْضارِ المَعارِفِ والنِّيّاتِ.

والثّالِثُ: التَّرْكُ لا إلى قَضاءٍ والإخْراجُ عَنِ الوَقْتِ، ومِن ذَلِكَ صَلاةُ المُنافِقِ وهي شَرٌّ مِن تَرْكِ الصَّلاةِ لِأنَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِالدِّينِ بِتِلْكَ الصَّلاةِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ الفَرْقَ بَيْنَ المُنافِقِ والمُرائِي: أنَّ المُنافِقَ هو المُظْهِرُ لِلْإيمانِ المُبْطِنُ لِلْكُفْرِ، والمُرائِي المُظْهِرُ ما لَيْسَ في قَلْبِهِ مِن زِيادَةِ خُشُوعٍ لِيَعْتَقِدَ فِيهِ مَن يَراهُ أنَّهُ مُتَدَيِّنٌ، أوْ تَقُولُ: المُنافِقُ لا يُصَلِّي سِرًّا والمُرائِي تَكُونُ صَلاتُهُ عِنْدَ النّاسِ أحْسَنَ.

صفحة ١٠٨

اعْلَمْ أنَّهُ يَجِبُ إظْهارُ الفَرائِضِ مِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ لِأنَّها شَعائِرُ الإسْلامِ، وتارِكُها مُسْتَحِقٌّ لِلَّعْنِ فَيَجِبُ نَفْيُ التُّهْمَةِ بِالإظْهارِ. إنَّما الإخْفاءُ في النَّوافِلِ إلّا إذا أظْهَرَ النَّوافِلَ لِيُقْتَدى بِهِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ رَأى في المَسْجِدِ رَجُلًا يَسْجُدُ لِلشُّكْرِ وأطالَها، فَقالَ: ما أحْسَنَ هَذا لَوْ كانَ في بَيْتِكَ ! لَكِنَّ مَعَ هَذا قالُوا: لا يَتْرُكُ النَّوافِلَ حَياءً ولا يَأْتِي بِها رِياءً، وقَلَّما يَتَيَسَّرُ اجْتِنابُ الرِّياءِ، ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «الرِّياءُ أخْفى مِن دَبِيبِ النَّمْلَةِ السَّوْداءِ في اللَّيْلَةِ الظَّلْماءِ عَلى المَسْحِ الأسْوَدِ»

فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى المُراءاةِ ؟

قُلْنا: هي مُفاعَلَةٌ مِنَ الإراءَةِ لِأنَّ المُرائِيَ يُرِي النّاسَ عَمَلَهُ، وهم يُرُونَهُ الثَّناءَ عَلَيْهِ والإعْجابَ بِهِ.

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ يُفِيدُ أمْرَيْنِ:

إخْراجَها عَنِ الوَقْتِ، وكَوْنَ الإنْسانِ غافِلًا فِيها، قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ يُفِيدُ المُراءاةَ، فَظَهَرَ أنَّ الصَّلاةَ يَجِبُ أنْ تَكُونَ خالِيَةً عَنْ هَذِهِ الأحْوالِ الثَّلاثَةِ.

ثُمَّ لَمّا شَرَحَ أمْرَ الصَّلاةِ أعْقَبَهُ بِذِكْرِ الصِّلاتِ فَقالَ: ﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ وفِيهِ أقْوالٌ:

الأوَّلُ: وهو قَوْلُ أبِي بَكْرٍ وعَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الحَنَفِيَّةِ وابْنِ عَمْرٍو والحَسَنِ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ: هو الزَّكاةُ، وفي حَدِيثِ أُبَيٍّ: «مَن قَرَأ سُورَةَ (أرَأيْتَ) غَفَرَ اللَّهُ لَهُ إنْ كانَ لِلزَّكاةِ مُؤَدِّيًا» وذَلِكَ يُوهِمُ أنَّ (الماعُونَ) هو الزَّكاةُ، ولِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَهُ عَقِيبَ الصَّلاةِ، فالظّاهِرُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ هو الزَّكاةَ.

والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، أنَّ (الماعُونَ) اسْمٌ لِما لا يُمْنَعُ في العادَةِ ويَسْألُهُ الفَقِيرُ والغَنِيُّ، يُنْسَبُ مانِعُهُ إلى سُوءِ الخُلُقِ ولُؤْمِ الطَّبِيعَةِ كالفَأْسِ والقِدْرِ والدَّلْوِ والمِقْدَحَةِ والغِرْبالِ والقَدُّومِ، ويَدْخُلُ فِيهِ المِلْحُ والماءُ والنّارُ. فَإنَّهُ رُوِيَ: «ثَلاثَةٌ لا يَحِلُّ مَنعُها: الماءُ والنّارُ والمِلْحُ»ومِن ذَلِكَ أنْ يَلْتَمِسَ جارُكَ أنْ يَخْبِزَ في تَنُّورِكَ، أوْ يَضَعَ مَتاعَهُ عِنْدَكَ يَوْمًا أوْ نِصْفَ يَوْمٍ، وأصْحابُ هَذا القَوْلِ قالُوا: الماعُونُ فاعُولٌ مِنَ المَعَنِ. وهو الشَّيْءُ القَلِيلُ ومِنهُ ما لَهُ سَعْنَةٌ ولا مَعْنَةٌ أيْ كَثِيرٌ و(لا) قَلِيلٌ، وسُمِّيَتِ الزَّكاةُ ماعُونًا، لِأنَّهُ يُؤْخَذُ مِنَ المالِ رُبُعُ العُشْرِ، فَهو قَلِيلٌ مِن كَثِيرٍ، ويُسَمّى ما يُسْتَعارُ في العُرْفِ كالفَأْسِ والشَّفْرَةِ ماعُونًا، وعَلى