< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


والمَعْنى أنَّ هَذِهِ الإلْفَةَ إنَّما حَصَلَتْ في قُرَيْشٍ بِتَدْبِيرِ اللَّهِ وهو كَقَوْلِهِ:﴿ولَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهُمْ﴾[الأنفال: ٦٣] وقالَ: ﴿فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا﴾[آل عمران: ١٠٣] وقَدْ تَكُونُ المَسَرَّةُ سَبَبًا لِلْمُؤانَسَةِ والِاتِّفاقِ، كَما وقَعَتْ عِنْدَ انْهِزامِ أصْحابِ الفِيلِ لِقُرَيْشٍ، فَيَكُونُ المَصْدَرُ هَهُنا مُضافًا إلى المَفْعُولِ ويَكُونُ المَعْنى لِأجْلِ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ قُرَيْشًا مُلازِمِينَ لِرِحْلَتَيْهِمْ.

وثالِثُها: أنْ يَكُونَ الإيلافُ هو التَّهْيِئَةُ والتَّجْهِيزُ وهو قَوْلُ الفَرّاءِ وابْنِ الأعْرابِيِّ، فَيَكُونُ المَصْدَرُ عَلى هَذا القَوْلِ مُضافًا إلى الفاعِلِ، والمَعْنى: لِتَجْهِيزِ قُرَيْشٍ رِحْلَتَيْها حَتّى تَتَّصِلا ولا تَنْقَطِعا، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ”لِيلافِ“ بِغَيْرِ هَمْزٍ فَحَذَفَ هَمْزَةَ الإفْعالِ حَذْفًا كُلِّيًّا وهو كَمَذْهَبِهِ في ”يَسْتَهْزِءُونَ“ وقَدْ مَرَّ تَقْرِيرُهُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: التَّكْرِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾﴿إيلافِهِمْ﴾ هو أنَّهُ أطْلَقَ الإيلافَ أوَّلًا ثُمَّ جَعَلَ المُقَيَّدَ بَدَلًا لِذَلِكَ المُطْلَقِ تَفْخِيمًا لِأمْرِ الإيلافِ وتَذْكِيرًا لِعَظِيمِ المِنَّةِ فِيهِ، والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ عامًّا يَجْمَعُ كُلَّ مُؤانَسَةٍ ومُوافَقَةٍ كانَ بَيْنَهم، فَيَدْخُلُ فِيهِ مَقامُهم وسِيَرُهم وجَمِيعُ أحْوالِهِمْ، ثُمَّ خَصَّ إيلافِ الرِّحْلَتَيْنِ بِالذِّكْرِ لِسَبَبِ أنَّهُ قِوامُ مَعاشِهِمْ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾[البقرة: ٩٨] وفائِدَةُ تَرْكِ واوِ العَطْفِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ كُلُّ النِّعْمَةِ، تَقُولُ العَرَبُ: ألِفْتُ كَذا أيْ لَزِمْتُهُ، والإلْزامُ ضَرْبانِ: إلْزامٌ بِالتَّكْلِيفِ والأمْرِ، وإلْزامٌ بِالمَوَدَّةِ والمُؤانَسَةِ فَإنَّهُ إذا أحَبَّ المَرْءُ شَيْئًا لَزِمَهُ، ومِنهُ: ﴿وألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى﴾[الفتح: ٢٦]، كَما أنَّ الإلْجاءَ ضَرْبانِ:

أحَدُهُما: لِدَفْعِ الضَّرَرِ كالهَرَبِ مِنَ السَّبُعِ.

والثّانِي: لِطَلَبِ النَّفْعِ العَظِيمِ، كَمَن يَجِدُ مالًا عَظِيمًا ولا مانِعَ مِن أخْذِهِ لا عَقْلًا ولا شَرْعًا ولا حِسًّا فَإنَّهُ يَكُونُ كالمُلْجَأِ إلى الأخْذِ، وكَذا الدَّواعِي الَّتِي

صفحة ١٠٠

تَكُونُ دُونَ الإلْجاءِ، مَرَّةً تَكُونُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ وأُخْرى لِجَلْبِ النَّفْعِ، وهو المُرادُ في قَوْلِهِ: (إيلافِهِمْ) .

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ قُرَيْشًا ولَدُ النَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنّا بَنِي النَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ لا نَقْفُوا أُمَّنا ولا نَنْتَفِي مِن أبِينا» وذَكَرُوا في سَبَبِ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ وُجُوهًا:

أحَدُها: أنَّهُ تَصْغِيرُ القِرْشِ وهو دابَّةٌ عَظِيمَةٌ في البَحْرِ تَعْبَثُ بِالسُّفُنِ، ولا تَنْطَلِقُ إلّا بِالنّارِ، وعَنْ مُعاوِيَةَ أنَّهُ سَألَ ابْنَ عَبّاسٍ: بِمَ سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ ؟ قالَ: بِدابَّةٍ في البَحْرِ تَأْكُلُ ولا تُؤْكَلُ، تَعْلُو ولا تُعْلى، وأنْشَدَ:

وقُرَيْشٌ هي الَّتِي تَسْكُنُ البَحْـ ـرَ بِها سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشا

والتَّصْغِيرُ لِلتَّعْظِيمِ، ومَعْلُومٌ أنَّ قُرَيْشًا مَوْصُوفُونَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ لِأنَّها تَلِي أمْرَ الأُمَّةِ، فَإنَّ الأئِمَّةَ مِن قُرَيْشٍ.

وثانِيها: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ القِرْشِ وهو الكَسْبُ لِأنَّهم كانُوا كاسِبِينَ بِتِجاراتِهِمْ وضَرْبِهِمْ في البِلادِ.

وثالِثُها: قالَ اللَّيْثُ: كانُوا مُتَفَرِّقِينَ في غَيْرِ الحَرَمِ، فَجَمَعَهم قُصَيُّ بْنُ كِلابٍ في الحَرَمِ حَتّى اتَّخَذُوها مَسْكَنًا، فَسَمُّوها قُرَيْشًا لِأنَّ التَّقَرُّشَ هو التَّجَمُّعُ، يُقالُ: تَقَرَّشَ القَوْمُ إذا اجْتَمَعُوا، ولِذَلِكَ سُمِّيَ قُصَيٌّ مُجَمِّعًا، قالَ الشّاعِرُ:

أبُوكم قُصَيٌّ كانَ يُدْعى مُجَمِّعًا ∗∗∗ بِهِ جَمَّعَ اللَّهُ القَبائِلَ مِن فِهْرِ

ورابِعُها: أنَّهم كانُوا يَسُدُّونَ خَلَّةَ مَحاوِيجِ الحاجِّ، فَسُمُّوا بِذَلِكَ قُرَيْشًا، لِأنَّ القِرْشَ التَّفْتِيشُ قالَ ابْنُ حُرَّةَ:

أيُّها الشّامِتُ المُقَرِّشُ عَنّا ∗∗∗ عِنْدَ عَمْرٍو وهَلْ لِذاكَ بَقاءُ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ اللَّيْثُ: الرِّحْلَةُ اسْمُ الِارْتِحالِ مِنَ القَوْمِ لِلْمَسِيرِ، وفي المُرادِ مِن هَذِهِ الرِّحْلَةِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ، قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتْ لِقُرَيْشٍ رِحْلَتانِ رِحْلَةٌ بِالشِّتاءِ إلى اليَمَنِ لِأنَّ اليَمَنَ أدْفَأُ وبِالصَّيْفِ إلى الشَّأْمِ، وذَكَرَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ السَّبَبَ في ذَلِكَ هو أنَّ قُرَيْشًا إذا أصابَ واحِدًا مِنهم مَخْمَصَةٌ خَرَجَ هو وعِيالُهُ إلى مَوْضِعٍ وضَرَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ خِباءً