< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah103
Al-Asr (103)
The Declining Day, Epoch, makkah, 3 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
في دُنْياكَ، وتُسْألُ في مُعامَلَتِكَ مَعَ الخَلْقِ، وكُلُّ أحَدٍ مِنَ المَظْلُومِينَ يَدَّعِي ما عَلَيْكَ فَإذًا أنْتَ خاسِرٌ، ونَظِيرُهُ:﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهم وهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾[الأنبياء: ١] .
وثالِثُها: أنَّ هَذا الوَقْتَ مُعَظَّمٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «مَن حَلَفَ بَعْدَ العَصْرِ كاذِبًا لا يُكَلِّمُهُ اللَّهُ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ» فَكَما أقْسَمَ في حَقِّ الرّابِحِ بِالضُّحى فَكَذا أقْسَمَ في حَقِّ الخاسِرِ بِالعَصْرِ وذَلِكَ لِأنَّهُ أقْسَمَ بِالضُّحى في حَقِّ الرّابِحِ وبَشَّرَ الرَّسُولُ أنَّ أمْرَهُ إلى الإقْبالِ وهَهُنا في حَقِّ الخاسِرِ تَوَعَّدَهُ أنْ أمْرَهُ إلى الإدْبارِ، ثُمَّ كَأنَّهُ يَقُولُ: بَعْضُ النَّهارِ باقٍ، فَيَحُثُّهُ عَلى التَّدارُكِ في البَقِيَّةِ بِالتَّوْبَةِ، وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ: تَعَلَّمْتُ مَعْنى السُّورَةِ مِن بائِعِ الثَّلْجِ كانَ يَصِيحُ ويَقُولُ: ارْحَمُوا مَن يَذُوبُ رَأْسُ مالِهِ، ارْحَمُوا مَن يَذُوبُ رَأْسُ مالِهِ فَقُلْتُ: هَذا مَعْنى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ يَمُرُّ بِهِ العَصْرُ فَيَمْضِي عُمُرُهُ ولا يَكْتَسِبُ فَإذًا هو خاسِرٌ.
القَوْلُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ: أرادَ صَلاةَ العَصْرِ، وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِصَلاةِ العَصْرِ لِفَضْلِها بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿والصَّلاةِ الوُسْطى﴾[البقرة: ٢٣٨] صَلاةِ العَصْرِ في مُصْحَفِ حَفْصَةَ وقِيلَ في قَوْلِهِ: ﴿تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ﴾[المائدة: ١٠٦] إنَّها صَلاةُ العَصْرِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «مَن فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ فَكَأنَّما وُتِرَ أهْلَهُ ومالَهُ» .
وثالِثُها: أنَّ التَّكْلِيفَ في أدائِها أشَقُّ لِتَهافُتِ النّاسِ في تِجاراتِهِمْ ومَكاسِبِهِمْ آخِرَ النَّهارِ واشْتِغالِهِمْ بِمَعايِشِهِمْ.
ورابِعُها: رُوِيَ «أنَّ امْرَأةً كانَتْ تَصِيحُ في سِكَكِ المَدِينَةِ وتَقُولُ: دُلُّونِي عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَرَآها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَألَها ماذا حَدَثَ ؟ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ زَوْجِي غابَ عَنِّي فَزَنَيْتُ فَجاءَنِي ولَدٌ مِنَ الزِّنا فَألْقَيْتُ الوَلَدَ في دَنٍّ مِنَ الخَلِّ حَتّى ماتَ، ثُمَّ بِعْنا ذَلِكَ الخَلَّ فَهَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ ؟ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أمّا الزِّنا فَعَلَيْكِ الرَّجْمُ، أمّا قَتْلُ الوَلَدِ فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ، وأمّا بَيْعُ الخَلِّ فَقَدِ ارْتَكَبْتِ صفحة ٨٢
وخامِسُها: أنَّ صَلاةَ العَصْرِ بِها يَحْصُلُ خَتْمُ طاعاتِ النَّهارِ، فَهي كالتَّوْبَةِ، بِها يُخْتَمُ الأعْمالُ، فَكَما تَجِبُ الوَصِيَّةُ بِالتَّوْبَةِ كَذا بِصَلاةِ العَصْرِ لِأنَّ الأُمُورَ بِخَواتِيمِها، فَأقْسَمَ بِهَذِهِ الصَّلاةِ تَفْخِيمًا لِشَأْنِها، وزِيادَةَ تَوْصِيَةِ المُكَلَّفِ عَلى أدائِها وإشارَةً مِنهُ أنَّكَ إنْ أدَّيْتَها عَلى وجْهِها عادَ خُسْرانُكَ رِبْحًا، كَما قالَ: ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾
وسادِسُها: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ثَلاثَةٌ لا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُكَلِّمُهم ولا يُزَكِّيهِمْ [ عُدَّ ] مِنهم رَجُلٌ حَلَفَ بَعْدَ العَصْرِ كاذِبًا» .
(فَإنْ قِيلَ) صَلاةُ العَصْرِ فِعْلُنا، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ ؟
والجَوابُ: أنَّهُ لَيْسَ قِسْمًا مِن حَيْثُ إنَّها فِعْلُنا، بَلْ مِن حَيْثُ إنَّها أمْرٌ شَرِيفٌ تَعَبَّدَنا اللَّهُ تَعالى بِها.
القَوْلُ الرّابِعُ: أنَّهُ قَسَمٌ بِزَمانِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّما مَثَلُكم ومَثَلُ مَن كانَ قَبْلَكم مَثَلُ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أجِيرًا، فَقالَ: مَن يَعْمَلُ مِنَ الفَجْرِ إلى الظُّهْرِ بِقِيراطٍ ؟ فَعَمِلَتِ اليَهُودُ، ثُمَّ قالَ: مَن يَعْمَلُ مِنَ الظُّهْرِ إلى العَصْرِ بِقِيراطٍ ؟ فَعَمِلَتِ النَّصارى، ثُمَّ قالَ: مَن يَعْمَلُ مِنَ العَصْرِ إلى المَغْرِبِ بِقِيراطَيْنِ ؟ فَعَمِلْتُمْ أنْتُمْ، فَغَضِبَتِ اليَهُودُ والنَّصارى، وقالُوا: نَحْنُ أكْثَرُ عَمَلًا وأقَلُّ أجْرًا ! فَقالَ اللَّهُ: وهَلْ نَقَصْتُ مِن أجْرِكم شَيْئًا ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَهَذا فَضْلِي أُوتِيهِ مَن أشاءُ، فَكُنْتُمْ أقَلَّ عَمَلًا وأكْثَرَ أجْرًا»فَهَذا الخَبَرُ دَلَّ عَلى أنَّ العَصْرَ هو الزَّمانُ المُخْتَصُّ بِهِ وبِأُمَّتِهِ،