< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah100
Al-Aadiyaat (100)
The Chargers, makkah, 11 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
وأُخْرِجَ، وقُرِئَ ”بُحْثِرَ“ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَسْألَ لِمَ قالَ: ﴿بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: بُعْثِرَ مَن في القُبُورِ ؟ ثُمَّ إنَّهُ لَمّا قالَ: ما في القُبُورِ، فَلِمَ قالَ: ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ: إنَّ رَبَّها بِها يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ؟
الجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ: هو أنَّ ما في الأرْضِ مِن غَيْرِ المُكَلَّفِينَ أكْثَرُ فَأخْرَجَ الكَلامَ عَلى الأغْلَبِ، أوْ يُقالُ: إنَّهم حالَ ما يُبْعَثُونَ لا يَكُونُونَ أحْياءً عُقَلاءَ بَلْ بَعْدَ البَعْثِ يَصِيرُونَ كَذَلِكَ، فَلا جَرَمَ كانَ الضَّمِيرُ الأوَّلُ ضَمِيرَ غَيْرِ العُقَلاءِ، والضَّمِيرُ الثّانِي ضَمِيرَ العُقَلاءِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، أيْ مُيِّزَ ما في الصُّدُورِ، وقالَ اللَّيْثُ: الحاصِلُ مِن كُلِّ شَيْءٍ ما بَقِيَ وثَبَتَ وذَهَبَ سِواهُ، والتَّحْصِيلُ تَمْيِيزُ ما يَحْصُلُ والِاسْمُ الحَصِيلَةُ قالَ لَبِيدٌ:وكُلُّ امْرِئٍ يَوْمًا سَيَعْلَمُ سَعْيَهُ إذا حَصَلَتْ عِنْدَ الإلَهِ الحَصائِلُ
وفِي التَّفْسِيرِ وُجُوهٌ:أحَدُها: مَعْنى حُصِّلَ جُمِعَ في الصُّحُفِ، أيْ أُظْهِرَتْ مُحَصَّلًا مَجْمُوعًا.
وثانِيها: أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الواجِبِ، والمَندُوبِ، والمُباحِ، والمَكْرُوهِ، والمَحْظُورِ، فَإنَّ لِكُلٍّ واحِدٌ، ومِنهُ قِيلَ لِلْمُنْخُلِ: المُحَصِّلُ.
وثالِثُها: أنَّ كَثِيرًا ما يَكُونُ باطِنُ الإنْسانِ بِخِلافِ ظاهِرِهِ، أمّا في يَوْمِ القِيامَةِ فَإنَّهُ تَتَكَشَّفُ الأسْرارُ وتُنْتَهَكُ الأسْتارُ، ويَظْهَرُ ما في البَواطِنِ، كَما قالَ: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ . [الطارق: ٩] واعْلَمْ أنَّ حَظَّ الوَعْظِ مِنهُ أنْ يُقالَ: إنَّكَ تَسْتَعِدُّ فِيما لا فائِدَةَ لَكَ فِيهِ، فَتَبْنِي المَقْبَرَةَ وتَشْتَرِي التّابُوتَ، وتُفَصِّلُ الكَفَنَ، وتَغْزِلُ العَجُوزُ الكَفَنَ، فَيُقالُ: هَذا كُلُّهُ لِلدِّيدانِ، فَأيْنَ حَظُّ الرَّحْمَنِ ! بَلِ المَرْأةُ إذا كانَتْ حامِلًا فَإنَّها تُعِدُّ لِلطِّفْلِ ثِيابًا، فَإذا قُلْتَ لَها: لا طِفْلَ لَكِ فَما هَذا الِاسْتِعْدادُ ؟ فَتَقُولُ: ألَيْسَ يُبَعْثَرُ ما في بَطْنِي ؟ فَيَقُولُ الرَّبُّ لَكَ: ألا يُبَعْثَرُ ما في بَطْنِ الأرْضِ، فَأيْنَ الِاسْتِعْدادُ، وقُرِئَ ”وحَصَلَ“ بِالفَتْحِ والتَّخْفِيفِ بِمَعْنى ظَهَرَ.
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ اعْلَمْ أنَّ فِيهِ سُؤالاتٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ يُوهِمُ أنَّ عِلْمَهُ بِهِمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ إنَّما حَصَلَ بِسَبَبِ الخِبْرَةِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي سَبْقَ الجَهْلِ وهو عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: إنَّ مَن لَمْ يَكُنْ عالِمًا، فَإنَّهُ يَصِيرُ بِسَبَبِ الِاخْتِبارِ عالِمًا، فَمَن كانَ لَمْ يَزَلْ عالِمًا أنْ يَكُونَ خَبِيرًا بِأحْوالِكَ !
وثانِيهِما: أنَّ فائِدَةَ تَخْصِيصِ ذَلِكَ الوَقْتِ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ مَعَ كَوْنِهِ عالِمًا لَمْ يَزَلْ أنَّهُ وقْتَ الجَزاءِ، وتَقْرِيرُهُ لِمَنِ المُلْكُ كَأنَّهُ يَقُولُ: لا حاكِمَ
صفحة ٦٦
يَرُوجُ حُكْمُهُ ولا عالِمَ تَرُوجُ فَتْواهُ يَوْمَئِذٍ إلّا هو، وكَمْ عالِمٍ لا يَعْرِفُ الجَوابَ وقْتَ الواقِعَةِ ثُمَّ يَتَذَكَّرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: لَسْتُ كَذَلِكَ.السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ خَصَّ أعْمالَ القُلُوبِ بِالذِّكْرِ في قَوْلِهِ: ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ وأهْمَلَ ذِكْرَ أعْمالِ الجَوارِحِ ؟ الجَوابُ: لِأنَّ أعْمالَ الجَوارِحِ تابِعَةٌ لِأعْمالِ القَلْبِ. فَإنَّهُ لَوْلا البَواعِثُ والإراداتُ في القُلُوبِ لَما حَصَلَتْ أفْعالُ الجَوارِحِ، ولِذَلِكَ إنَّهُ تَعالى جَعَلَها الأصْلَ في الذَّمِّ، فَقالَ: ﴿آثِمٌ قَلْبُهُ﴾[البقرة: ٢٨٣] والأصْلُ في المَدْحِ، فَقالَ: ﴿وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ . [الأنْفالِ: ٢ ]
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ قالَ: ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: وحُصِّلَ ما في القُلُوبِ ؟ الجَوابُ: لِأنَّ القَلْبَ مَطِيَّةُ الرُّوحِ وهو بِالطَّبْعِ مُحِبٌّ لِمَعْرِفَةِ اللَّهِ وخِدْمَتِهِ، إنَّما المُنازِعُ في هَذا البابِ هو النَّفْسُ ومَحِلُّها ما يَقْرُبُ مِنَ الصَّدْرِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النّاسِ﴾[الناس: ٥] وقالَ: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾[ الزُّمَرِ: ٢٢] فَجَعَلَ الصَّدْرَ مَوْضِعًا لِلْإسْلامِ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: الضَّمِيرُ في