< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


يَكُونُونَ فِيهِ كالمُسْتَعِدِّينَ لِلْمُدافَعَةِ والمُحارَبَةِ، أمّا هَذا الوَقْتُ فالنّاسُ يَكُونُونَ فِيهِ في الغَفْلَةِ وعَدَمِ الِاسْتِعْدادِ. وأمّا الَّذِينَ حَمَلُوا هَذِهِ الآياتِ عَلى الإبِلِ، قالُوا: المُرادُ هو الإبِلُ تَدْفَعُ بِرُكْبانِها يَوْمَ النَّحْرِ مِن جَمْعٍ إلى مِنًى، والسُّنَّةُ أنْ لا تُغِيرَ حَتّى تُصْبِحَ، ومَعْنى الإغارَةِ في اللُّغَةِ الإسْراعُ، يُقالُ: أغارَ إذا أسْرَعَ وكانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تَقُولُ: أشْرِقْ ثَبِيرُ كَيْما نُغِيرُ: أيْ نُسْرِعُ في الإفاضَةِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في النَّقْعِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ هو الغُبارُ وقِيلَ: إنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن نَقْعِ الصَّوْتِ إذا ارْتَفَعَ،

صفحة ٦٣

فالغُبارُ يُسَمّى نَقْعًا لِارْتِفاعِهِ، وقِيلَ: هو مِنَ النَّقْعِ في الماءِ، فَكَأنَّ صاحِبَ الغُبارِ غاصَ فِيهِ، كَما يَغُوصُ الرَّجُلُ في الماءِ.

والثّانِي: النَّقْعُ الصِّياحُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ما لَمْ يَكُنْ نَقْعٌ ولا لَقَلَقَةٌ» أيْ فَهَيَّجْنَ في المُغارِ عَلَيْهِمْ صِياحَ النَّوائِحِ، وارْتَفَعَتْ أصْواتُهُنَّ، ويُقالُ: ثارَ الغُبارُ والدُّخانُ، أيِ ارْتَفَعَ وثارَ القَطا عَنْ مِفْحَصِهِ، وأثَرْنَ الغُبارَ أيْ هَيَّجْنَهُ، والمَعْنى أنَّ الخَيْلَ أثَرْنَ الغُبارَ لِشِدَّةِ العَدْوِ في المَوْضِعِ الَّذِي أغَرْنَ فِيهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ”بِهِ“ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: وهو قَوْلُ الفَرّاءِ أنَّهُ عائِدٌ إلى المَكانِ الَّذِي انْتَهى إلَيْهِ، والمَوْضِعِ الَّذِي تَقَعُ فِيهِ الإغارَةُ، لِأنَّ في قَوْلِهِ: ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾ دَلِيلًا عَلى أنَّ الإغارَةَ لا بُدَّ لَها مِن وضْعٍ، وإذا عُلِمَ المَعْنى جازَ أنْ يُكَنّى عَمّا لَمْ يَجُزْ ذِكْرُهُ بِالتَّصْرِيحِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾[ القَدْرِ: ١]

وثانِيها: إنَّهُ عائِدٌ إلى ذَلِكَ الزَّمانِ الَّذِي وقَعَتْ فِيهِ الإغارَةُ، أيْ فَأثَرْنَ في ذَلِكَ الوَقْتِ نَقْعًا.

وثالِثُها: وهو قَوْلُ الكِسائِيِّ أنَّهُ عائِدٌ إلى العَدْوِ، أيْ فَأثَرْنَ بِالعَدْوِ نَقْعًا، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ العَدْوِ في قَوْلِهِ: ﴿والعادِياتِ﴾ .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: فَإنْ قِيلَ: عَلى أيِّ شَيْءٍ عَطَفَ قَوْلَهُ: ﴿فَأثَرْنَ﴾ قُلْنا: عَلى الفِعْلِ الَّذِي وُضِعَ اسْمُ الفاعِلِ مَوْضِعَهُ، والتَّقْدِيرُ: واللّائِي عَدَوْنَ فَأوْرَيْنَ، وأغَرْنَ فَأثَرْنَ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ أبُو حَيْوَةَ: ”فَأثَّرْنَ“ بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنى فَأظْهَرْنَ بِهِ غُبارًا، لِأنَّ التَّأْثِيرَ فِيهِ مَعْنى الإظْهارِ، أوْ قَلَبَ ثَوَّرْنَ إلى وثَّرْنَ وقَلَبَ الواوَ هَمْزَةً.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ اللَّيْثُ: وسَطْتُ النَّهَرَ والمَفازَةَ أوْسُطُها وسَطًا وسِطَةً، أيْ صِرْتُ في وسَطِها، وكَذَلِكَ وسَّطْتُها وتَوَسَّطْتُها، ونَحْوُ هَذا، قالَ الفَرّاءُ: والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿بِهِ﴾ إلى ماذا يَرْجِعُ ؟ فِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: قالَ مُقاتِلٌ: أيْ بِالعَدْوِ، وذَلِكَ أنَّ العادِياتِ تَدُلُّ عَلى العَدْوِ، فَجازَتِ الكِنايَةُ عَنْهُ، وقَوْلُهُ: ﴿جَمْعًا﴾ يَعْنِي جَمْعَ العَدُوِّ، والمَعْنى صِرْنَ بَعْدُ وهُنَّ وسَطَ جَمْعِ العَدُوِّ، ومَن حَمَلَ الآياتِ عَلى الإبِلِ، قالَ: يَعْنِي جَمْعَ مِنًى.

وثانِيها: أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى النَّقْعِ أيْ: ﴿فَوَسَطْنَ﴾ بِالنَّقْعِ الجَمْعَ.

وثالِثُها: المُرادُ أنَّ العادِياتِ وسَطْنَ مُلَبَّسًا بِالنَّقْعِ جَمْعًا مِن جُمُوعِ الأعْداءِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”فَوَسَّطْنَ“ بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّعْدِيَةِ، والباءُ مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأْتُوا بِهِ﴾[الأنبياء: ٦١] وهي مُبالَغَةٌ في وسَطْنَ، واعْلَمْ أنَّ النّاسَ أكْثَرُوا في صِفَةِ الفَرَسِ، وهَذا القَدْرُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ أحْسَنُ، وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «الخَيْلُ مَعْقُودٌ بِنَواصِيها الخَيْرُ»، وقالَ أيْضًا: «ظَهْرُها حِرْزٌ وبَطْنُها كَنْزٌ» واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ المُقْسَمَ بِهِ، ذَكَرَ المُقْسَمَ عَلَيْهِ وهو أُمُورٌ ثَلاثَةٌ:

أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: أصْلُ الكُنُودِ مَنعُ الحَقِّ والخَيْرِ، والكَنُودُ الَّذِي

صفحة ٦٤

يَمْنَعُ ما عَلَيْهِ، والأرْضُ الكَنُودُ هي الَّتِي لا تُنْبِتُ شَيْئًا، ثُمَّ لِلْمُفَسِّرِينَ عِباراتٌ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ: الكَنُودُ هو الكَفُورُ قالُوا: ومِنهُ سُمِّيَ