< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


هَذا عَبْدًا مُطْلَقًا، ولَمْ يَكُنْ ولَدًا، فَهَذِهِ جُمْلَةُ الوُجُوهِ المُسْتَنْبَطَةِ مِن قَوْلِهِ:﴿هُوَ الغَنِيُّ﴾ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ.

صفحة ١٠٨

أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [ مَرْيَمَ: ٩٣ ) وحاصِلُهُ يَرْجِعُ إلى أنَّ ما سِوى الواحِدِ الأحَدِ الحَقِّ مُمْكِنٌ، وكُلُّ مُمْكِنٍ مُحْتاجٌ، وكُلُّ مُحْتاجٍ مُحْدَثٌ، فَكُلُّ ما سِوى الواحِدِ الأحَدِ الحَقِّ مُحْدَثٌ، واللَّهُ تَعالى مُحْدِثُهُ وخالِقُهُ ومُوجِدُهُ.

وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ القَوْلِ بِإثْباتِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ. ولَمّا بَيَّنَ تَعالى بِالدَّلِيلِ الواضِحِ امْتِناعَ ما أضافُوا إلَيْهِ، عَطَفَ عَلَيْهِمْ بِالإنْكارِ والتَّوْبِيخِ فَقالَ: ﴿إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا﴾ مُنَبِّهًا بِهَذا عَلى أنَّهُ لا حُجَّةَ عِنْدَهم في ذَلِكَ ألْبَتَّةَ.

ثُمَّ بالَغَ في ذَلِكَ الإنْكارِ فَقالَ: ﴿أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ يُحْتَجُّ بِها في إبْطالِ التَّقْلِيدِ في أُصُولِ الدِّياناتِ. ونُفاةُ القِياسِ وأخْبارِ الآحادِ قَدْ يَحْتَجُّونَ بِها في إبْطالِ هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ فِيهِ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾﴿مَتاعٌ في الدُّنْيا ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بِالدَّلِيلِ القاهِرِ أنَّ إثْباتَ الوَلَدِ لِلَّهِ تَعالى قَوْلٌ باطِلٌ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ لِهَذا القائِلِ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ، فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ ذَلِكَ المَذْهَبَ افْتِراءٌ عَلى اللَّهِ، ونَسَبُهُ لِما لا يَلِيقُ بِهِ إلَيْهِ، فَبَيَّنَ أنَّ مَن هَذا حالُهُ فَإنَّهُ لا يُفْلِحُ ألْبَتَّةَ، ألا تَرى أنَّهُ تَعالى قالَ في أوَّلِ سُورَةِ المُؤْمِنُونَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾[المؤمنون: ١] وقالَ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١١٧ ] .

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ يَدْخُلُ فِيهِ هَذِهِ الصُّورَةُ ولَكِنَّهُ لا يَخْتَصُّ بِهَذِهِ الصُّورَةِ بَلْ كُلُّ مَن قالَ في ذاتِ اللَّهِ تَعالى وفي صِفاتِهِ قَوْلًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وبِغَيْرِ حُجَّةٍ بَيِّنَةٍ كانَ داخِلًا في هَذا الوَعِيدِ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لا يُفْلِحُ﴾ قَدْ ذَكَرْناهُ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾[آل عمران: ١٠٤] وبِالجُمْلَةِ فالفَلاحُ عِبارَةٌ عَنِ الوُصُولِ إلى المَقْصُودِ والمَطْلُوبِ، فَمَعْنى أنَّهُ لا يُفْلِحُ هو أنَّهُ لا يَنْجَحُ في سَعْيِهِ ولا يَفُوزُ بِمَطْلُوبِهِ بَلْ خابَ وخَسِرَ، ومِنَ النّاسِ مَن إذا فازَ بِشَيْءٍ مِنَ المَطالِبِ العاجِلَةِ والمَقاصِدِ الخَسِيسَةِ، ظَنَّ أنَّهُ قَدْ فازَ بِالمَقْصِدِ الأقْصى، واللَّهُ سُبْحانَهُ أزالَ هَذا الخَيالَ بِأنْ قالَ: إنَّ ذَلِكَ المَقْصُودَ الخَسِيسَ مَتاعٌ قَلِيلٌ في الدُّنْيا، ثُمَّ لا بُدَّ مِنَ المَوْتِ، وعِنْدَ المَوْتِ لا بُدَّ مِنَ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ وعِنْدَ هَذا الرُّجُوعِ لا بُدَّ مِن أنْ يُذِيقَهُ العَذابَ الشَّدِيدَ بِسَبَبِ ذَلِكَ الكُفْرِ المُتَقَدِّمِ، وهَذا كَلامٌ في غايَةِ الِانْتِظامِ ونِهايَةِ الحُسْنِ والجَزالَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

صفحة ١٠٩

قَوْلُهُ تَعالى ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوحٍ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ياقَوْمِ إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي وتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكم ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ولا تُنْظِرُونِ﴾﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بالَغَ في تَقْرِيرِ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ، وفي الجَوابِ عَنِ الشُّبَهِ والسُّؤالاتِ، شَرَعَ بَعْدَ ذَلِكَ في بَيانِ قَصَصِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ الكَلامَ إذا أطالَ في تَقْرِيرِ نَوْعٍ مِن أنْواعِ العُلُومِ، فَرُبَّما حَصَلَ نَوْعٌ مِن أنْواعِ