< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


يَنْصُرَكَ ويَنْقُلَ أمْوالَهم ودِيارَهم إلَيْكَ.

فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ كالمُضادَّةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾[المنافقون: ٨] .

قُلْنا: لا مُضادَّةَ؛ لِأنَّ عِزَّةَ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ كُلَّها بِاللَّهِ فَهي لِلَّهِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ أيْ يَسْمَعُ ما يَقُولُونَ ويَعْلَمُ ما يَعْزِمُونَ عَلَيْهِ وهو يُكافِئُهم بِذَلِكَ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ ما لا يَعْقِلُ فَهو مُلْكٌ لِلَّهِ تَعالى ومِلْكٌ لَهُ، وأمّا هَهُنا فَكَلِمَةُ ”مَن“ مُخْتَصَّةٌ بِمَن يَعْقِلُ، فَتَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ العُقَلاءِ داخِلُونَ تَحْتَ مُلْكِ اللَّهِ ومِلْكِهِ فَيَكُونُ مَجْمُوعُ الآيَتَيْنِ دالًّا عَلى أنَّ الكُلَّ مُلْكُهُ ومِلْكُهُ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ ﴿مَن في السَّماواتِ﴾ العُقَلاءُ المُمَيِّزُونَ وهُمُ المَلائِكَةُ والثَّقَلانِ.

وإنَّما خَصَّهم بِالذِّكْرِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ إذا كانُوا لَهُ وفي مُلْكِهِ فالجَماداتُ أوْلى بِهَذِهِ العُبُودِيَّةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ قَدْحًا في جَعْلِ الأصْنامِ شُرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ وفي كَلِمَةِ ”ما“ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ نَفْيٌ وجَحْدٌ، والمَعْنى أنَّهم ما اتَّبَعُوا شَرِيكَ اللَّهِ تَعالى إنَّما اتَّبَعُوا شَيْئًا ظَنُّوهُ شَرِيكًا لِلَّهِ تَعالى.

ومِثالُهُ أنَّ أحَدَنا لَوْ ظَنَّ أنَّ زَيْدًا في الدّارِ وما كانَ فِيها، فَخاطَبَ إنْسانًا في الدّارِ ظَنَّهُ زَيْدًا، فَإنَّهُ لا يُقالُ: إنَّهُ خاطَبَ زَيْدًا، بَلْ يُقالُ خاطَبَ مَن ظَنَّهُ زَيْدًا.

الثّانِي: أنَّ ”ما“ اسْتِفْهامٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ يَتْبَعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مَن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ، والمَقْصُودُ تَقْبِيحُ فِعْلِهِمْ يَعْنِي أنَّهم لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ.

صفحة ١٠٦

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ والمَعْنى أنَّهم إنَّما اتَّبَعُوا ظُنُونَهُمُ الباطِلَةَ وأوْهامَهُمُ الفاسِدَةَ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذا الظَّنَّ لا حُكْمَ لَهُ ﴿وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ وذَكَرْنا مَعْنى الخَرْصِ في سُورَةِ الأنْعامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾[الأنعام: ١١٦] .

قَوْلُهُ تَعالى ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ احْتَجَّ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الآيَةِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ اللَّيْلَ لِيَزُولَ التَّعَبُ والكَلالُ بِالسُّكُونِ فِيهِ، وجَعَلَ النَّهارَ مُبْصِرًا أيْ مُضِيئًا لِتَهْتَدُوا بِهِ في حَوائِجِكم بِالإبْصارِ، والمُبْصِرُ الَّذِي يُبْصِرُ، والنَّهارُ يُبْصَرُ فِيهِ، وإنَّما جَعَلَهُ مُبْصِرًا عَلى طَرِيقِ نَقْلِ الِاسْمِ مِنَ السَّبَبِ إلى المُسَبِّبِ.

فَإنْ قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى ما خَلَقَهُ إلّا لِهَذا الوَجْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ بِتَخْلِيقِ اللَّيْلِ والنَّهارِ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ الدَّلائِلِ.

قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (لِتَسْكُنُوا) لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا حِكْمَةَ فِيهِ إلّا ذَلِكَ، بَلْ ذَلِكَ يَقْتَضِي حُصُولَ تِلْكَ الحِكْمَةِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ فالمُرادُ يَتَدَبَّرُونَ ما يَسْمَعُونَ ويَعْتَبِرُونَ بِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الأباطِيلِ الَّتِي حَكاها اللَّهُ تَعالى عَنِ الكُفّارِ، وهي قَوْلُهم: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ حِكايَةَ قَوْلِ مَن يَقُولُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ قَوْلَ مَن