< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah010
Yunus (10)
Jonas, makkah, 109 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«الدُّنْيا سِجْنُ المُؤْمِنِ وجَنَّةُ الكافِرِ» “ وعَلى ما قالَ: ”«حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكارِهِ، وحُفَّتِ النّارُ بِالشَّهَواتِ» “
وثانِيها: أنَّ المُؤْمِنَ، وإنْ صَفا عَيْشُهُ في الدُّنْيا، فَإنَّهُ لا يَخْلُو مِن هَمٍّ بِأمْرِ الآخِرَةِ شَدِيدٍ، وحُزْنٍ عَلى ما يَفُوتُهُ مِنَ القِيامِ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وإذا بَطُلَ هَذا القِسْمُ وجَبَ حَمْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ عَلى أمْرِ الآخِرَةِ، فَهَذا كَلامٌ مُحَقَّقٌ.
وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: إنَّ الوِلايَةَ عِبارَةٌ عَنِ القُرْبِ، فَوَلِيُّ اللَّهِ تَعالى هو الَّذِي يَكُونُ في غايَةِ القُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهَذا التَّقْرِيرُ قَدْ فَسَّرْناهُ بِاسْتِغْراقِهِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى بِحَيْثُ لا يَخْطُرُ بِبالِهِ في تِلْكَ اللَّحْظَةِ شَيْءٌ مِمّا سِوى اللَّهِ، فَفي هَذِهِ السّاعَةِ تَحْصُلُ الوِلايَةُ التّامَّةُ، ومَتى كانَتْ هَذِهِ الحالَةُ حاصِلَةً، فَإنَّ صاحِبَها لا يَخافُ شَيْئًا، ولا يَحْزَنُ بِسَبَبِ شَيْءٍ، وكَيْفَ يُعْقَلُ ذَلِكَ والخَوْفُ مِنَ الشَّيْءِ والحُزْنُ عَلى الشَّيْءِ لا يَحْصُلُ إلّا بَعْدَ الشُّعُورِ بِهِ، والمُسْتَغْرِقُ في نُورِ جَلالِ اللَّهِ غافِلٌ عَنْ كُلِّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى، فَيَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ لَهُ خَوْفٌ أوْ حُزْنٌ ؟ وهَذِهِ دَرَجَةٌ عالِيَةٌ، ومَن لَمْ يَذُقْها لَمْ يَعْرِفْها.
ثُمَّ إنَّ صاحِبَ هَذِهِ الحالَةِ قَدْ تَزُولُ عَنْهُ الحالَةُ، وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ لَهُ الخَوْفُ والحُزْنُ والرَّجاءُ والرَّغْبَةُ والرَّهْبَةُ بِسَبَبِ الأحْوالِ الجُسْمانِيَّةِ، كَما يَحْصُلُ لِغَيْرِهِ. وسَمِعْتُ أنَّ إبْراهِيمَ الخَوّاصَ كانَ بِالبادِيَةِ ومَعَهُ واحِدٌ يَصْحَبُهُ، فاتَّفَقَ في بَعْضِ اللَّيالِي ظُهُورُ حالَةٍ قَوِيَّةٍ وكَشْفٍ تامٍّ لَهُ، فَجَلَسَ في مَوْضِعِهِ وجاءَتِ السُّباعُ ووَقَفُوا بِالقُرْبِ مِنهُ، والمُرِيدُ تَسَلَّقَ عَلى رَأْسِ شَجَرَةِ خَوْفًا مِنها والشَّيْخُ ما كانَ فازِعًا مِن تِلْكَ السِّباعِ، فَلَمّا أصْبَحَ وزالَتْ تِلْكَ الحالَةُ، فَفي اللَّيْلَةِ الثّانِيَةِ وقَعَتْ بَعُوضَةٌ عَلى يَدِهِ فَأظْهَرَ الجَزَعَ مِن تِلْكَ البَعُوضَةِ، فَقالَ المُرِيدُ: كَيْفَ تَلِيقُ هَذِهِ الحالَةُ بِما قَبْلَها ؟ فَقالَ الشَّيْخُ: إنّا إنَّما تَحَمَّلْنا البارِحَةَ ما تَحَمَّلْناهُ بِسَبَبِ قُوَّةِ الوارِدِ الغَيْبِيِّ، فَلَمّا غابَ ذَلِكَ الوارِدُ فَأنا أضْعَفُ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أكْثَرُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ أهْلَ الثَّوابِ لا يَحْصُلُ لَهم خَوْفٌ في مَحْفِلِ القِيامَةِ، واحْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾[الأنبياء: ١٠٣] وأيْضًا فالقِيامَةُ دارُ الجَزاءِ فَلا يَلِيقُ بِهِ إيصالُ الخَوْفِ، ومِنهم مَن قالَ: بَلْ يَحْصُلُ فِيهِ أنْواعٌ مِنَ الخَوْفِ، وذَكَرُوا فِيهِ أخْبارًا تَدُلُّ عَلَيْهِ إلّا أنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ أوْلى مِن خَبَرِ الواحِدِ.
* * *
صفحة ١٠٣
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:الأوَّلُ: النَّصْبُ بِكَوْنِهِ صِفَةً لِلْأوْلِياءِ.
والثّانِي: النَّصْبُ عَلى المَدْحِ.
والثّالِثُ: الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ لَهُمُ البُشْرى.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ فَفِيهِ أقْوالٌ:الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ الرُّؤْيا الصّالِحَةُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أنَّهُ قالَ: ”«البُشْرى هي الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يَراها المُسْلِمُ أوْ تُرى لَهُ» “ وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ وبَقِيَتِ المُبَشِّراتُ» “ وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«الرُّؤْيا الصّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ، والحُلْمُ مِنَ الشَّيْطانِ، فَإذا حَلَمَ أحَدُكم حُلْمًا يَخافُهُ فَلْيَتَعَوَّذْ مِنهُ ولْيَبْصُقْ عَنْ شِمالِهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ فَإنَّهُ لا يَضُرُّهُ» “ وعَنْهُ ﷺ: ”«الرُّؤْيا الصّالِحَةُ جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءً مِنَ النُّبُوَّةِ» “ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: الرُّؤْيا ثَلاثَةٌ: الهَمُّ يُهَمُّ بِهِ الرَّجُلُ مِنَ النَّهارِ فَيَراهُ في اللَّيْلِ، وحُضُورُ الشَّيْطانِ، والرُّؤْيا الَّتِي هي الرُّؤْيا الصّادِقَةُ.
وعَنْ إبْراهِيمَ الرُّؤْيا ثَلاثَةٌ: فالمُبَشِّرَةُ مِنَ اللَّهِ جُزْءٌ مِن