< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah010
Yunus (10)
Jonas, makkah, 109 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
وُرُودُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ بِمَعْنى الإخْفاءِ فَظاهِرٌ، وأمّا وُرُودُها بِمَعْنى الإظْهارِ فَهو مِن قَوْلِهِمْ سَرَّ الشَّيْءَ وأسَرَّهُ إذا أظْهَرَهُ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: المُرادُ مِنهُ إخْفاءُ تِلْكَ النَّدامَةِ، والسَّبَبُ في هَذا الإخْفاءِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهم لَمّا رَأوُا العَذابَ الشَّدِيدَ صارُوا مَبْهُوتِينَ مُتَحَيِّرِينَ، فَلَمْ يُطِيقُوا عِنْدَهُ بُكاءً ولا صُراخًا سِوى إسْرارِ النَّدَمِ كالحالِ فِيمَن يُذْهَبُ بِهِ لِيُصْلَبَ، فَإنَّهُ يَبْقى مَبْهُوتًا مُتَحَيِّرًا لا يَنْطِقُ بِكَلِمَةٍ.
الثّانِي: أنَّهم أسَرُّوا النَّدامَةَ مِن سَفَلَتِهِمْ وأتْباعِهِمْ حَياءً مِنهم وخَوْفًا مِن تَوْبِيخِهِمْ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّ مَهابَةَ ذَلِكَ المَوْقِفِ تَمْنَعُ الإنْسانَ عَنْ هَذا التَّدْبِيرِ فَكَيْفَ قَدِمُوا عَلَيْهِ ؟
قُلْنا: إنَّ هَذا الكِتْمانَ إنَّما يَحْصُلُ قَبْلَ الِاحْتِراقِ بِالنّارِ، فَإذا احْتَرَقُوا تَرَكُوا هَذا الإخْفاءَ وأظْهَرُوهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾[المؤمنون: ١٠٦]
الثّالِثُ: أنَّهم أسَرُّوا تِلْكَ النَّدامَةَ لِأنَّهم أخْلَصُوا لِلَّهِ في تِلْكَ النَّدامَةِ، ومَن أخْلَصَ في الدُّعاءِ أسَرَّهُ، وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ وبِإخْلاصِهِمْ، يَعْنِي أنَّهم لَمّا أتَوْا بِهَذا الإخْلاصِ في غَيْرِ وقْتِهِ لَمْ يَنْفَعْهم، بَلْ كانَ مِنَ الواجِبِ عَلَيْهِمْ أنْ يَأْتُوا بِهِ في دارِ الدُّنْيا وقْتَ التَّكْلِيفِ، وأمّا مَن فَسَّرَ الإسْرارَ بِالإظْهارِ فَقَوْلُهُ ظاهِرٌ؛ لِأنَّهم إنَّما أخْفَوُا النَّدامَةَ عَلى الكُفْرِ والفِسْقِ في الدُّنْيا لِأجْلِ حِفْظِ الرِّياسَةِ، وفي القِيامَةِ بَطُلَ هَذا الغَرَضُ فَوَجَبَ الإظْهارُ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ فَقِيلَ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، وقِيلَ بَيْنَ الرُّؤَساءِ والأتْباعِ، وقِيلَ بَيْنَ الكُفّارِ بِإنْزالِ العُقُوبَةِ عَلَيْهِمْ.
صفحة ٩١
واعْلَمْ أنَّ الكُفّارَ وإنِ اشْتَرَكُوا في العَذابِ فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَقْضِيَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَهم؛ لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ قَدْ ظَلَمَ بَعْضُهم بَعْضًا في الدُّنْيا وخانَهُ، فَيَكُونُ في ذَلِكَ القَضاءِ تَخْفِيفٌ مِن عَذابِ بَعْضِهِمْ، وتَثْقِيلٌ لِعَذابِ الباقِينَ؛ لِأنَّ العَدْلَ يَقْتَضِي أنْ يَنْتَصِفَ لِلْمَظْلُومِينَ مِنَ الظّالِمِينَ، ولا سَبِيلَ إلَيْهِ إلّا بِأنْ يُخَفِّفَ مِن عَذابِ المَظْلُومِينَ ويُثَقِّلَ في عَذابِ الظّالِمِينَ.﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾﴿هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾﴿هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ تَعَلُّقَ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها هو أنَّهُ تَعالى قالَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما في الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ﴾ فَلا جَرَمَ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَ لِلظّالِمِ شَيْءٌ يَفْتَدِي بِهِ، فَإنَّ كُلَّ الأشْياءِ مُلْكُ اللَّهِ تَعالى ومِلْكُهُ
واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّوْجِيهَ حَسَنٌ، أمّا الأحْسَنُ أنْ يُقالَ إنّا قَدْ ذَكَرْنا أنَّ النّاسَ عَلى طَبَقاتٍ، فَمِنهم مَن يَكُونُ انْتِفاعُهُ بِالإقْناعِيّاتِ أكْثَرَ مِنَ انْتِفاعِهِ بِالبُرْهانِيّاتِ، أمّا المُحَقِّقُونَ فَإنَّهم لا يَلْتَفِتُونَ إلى الإقْناعِيّاتِ، وإنَّما تَعْوِيلُهم عَلى الدَّلائِلِ البَيِّنَةِ والبَراهِينِ القاطِعَةِ، فَلَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم قالُوا: أحَقٌّ هو ؟ أمَرَ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنْ يَقُولَ: ﴿إي ورَبِّي﴾ وهَذا جارٍ مَجْرى الإقْناعِيّاتِ، فَلَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ أتْبَعَهُ بِما هو البُرْهانُ القاطِعُ عَلى صِحَّتِهِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ القَوْلَ بِالنُّبُوَّةِ والقَوْلَ بِصِحَّةِ المَعادِ يَتَفَرَّعانِ عَلى إثْباتِ الإلَهِ القادِرِ الحَكِيمِ، وأنَّ كُلَّ ما سِواهُ فَهو مُلْكُهُ ومِلْكُهُ، فَعَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ الدَّلِيلَ عَلى صِحَّةِ هَذِهِ القَضِيَّةِ، لِأنَّهُ تَعالى قَدِ اسْتَقْصى في تَقْرِيرِ هَذِهِ الدَّلائِلِ فِيما سَبَقَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وما خَلَقَ اللَّهُ في