< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah010
Yunus (10)
Jonas, makkah, 109 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ﴿أُغْشِيَتْ﴾ أيْ أُلْبِسَتْ ﴿وُجُوهُهم قِطَعًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والكِسائِيُّ ”قِطْعًا“ بِسُكُونِ الطّاءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الطّاءِ، والقِطْعُ بِسُكُونِ الطّاءِ القِطْعَةُ، وهي البَعْضُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾[هود: ٨١] أيْ: قِطْعَةٍ. وأمّا قِطَعٌ بِفَتْحِ الطّاءِ فَهو جَمْعُ قِطْعَةٍ، ومَعْنى الآيَةِ: وصَفَ وُجُوهَهم بِالسَّوادِ، حَتّى كَأنَّها أُلْبِسَتْ سَوادًا مِنَ اللَّيْلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾[الزمر: ٦٠] وكَقَوْلِهِ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾[آل عمران: ١٠٦] وكَقَوْلِهِ: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾[الرحمن: ٤١] وتِلْكَ العَلامَةُ هي سَوادُ الوَجْهِ وزُرْقَةُ العَيْنِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مُظْلِمًا﴾ قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: هو نَعْتٌ لِقَوْلِهِ: ﴿قِطَعًا﴾ وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ حالًا كَأنَّهُ قِيلَ: أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ في حالِ ظُلْمَتِهِ.
﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم فَزَيَّلْنا بَيْنَهم وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم فَزَيَّلْنا بَيْنَهم وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾
صفحة ٦٧
وفِيهِ مَسائِلُ:المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن شَرْحِ فَضائِحِ أُولَئِكَ الكُفّارِ، فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ عائِدٌ إلى المَذْكُورِ السّابِقِ، وذَلِكَ هو قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ﴾[يونس: ٢٧] فَلَمّا وصَفَ اللَّهُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَحْشُرُهم بِالشِّرْكِ والكُفْرِ دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ﴾ الكُفّارُ، وحاصِلُ الكَلامِ: أنَّهُ تَعالى يَحْشُرُ العابِدَ والمَعْبُودَ، ثُمَّ إنَّ المَعْبُودَ يَتَبَرَّأُ مِنَ العابِدِ، ويَتَبَيَّنُ لَهُ أنَّهُ ما فَعَلَ ذَلِكَ بِعِلْمِهِ وإرادَتِهِ، والمَقْصُودُ مِنهُ أنَّ القَوْمَ كانُوا يَقُولُونَ: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾[يونس: ١٨٠] فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم لا يَشْفَعُونَ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ، بَلْ يَتَبَرَّءُونَ مِنهم، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى نِهايَةِ الخِزْيِ والنَّكالِ في حَقِّ هَؤُلاءِ الكُفّارِ، ونَظِيرُهُ آياتٌ مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾[البقرة: ١٦٦] ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾﴿قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾[سبأ: ٤١] .
واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يُشِيرُ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ إلى دَقِيقَةٍ عَقْلِيَّةٍ، وهي أنَّ ما سِوى الواحِدِ الأحَدِ الحَقِّ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والمُمْكِنُ لِذاتِهِ مُحْتاجٌ بِحَسَبِ ماهِيَّتِهِ، والشَّيْءُ الواحِدُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ قابِلًا وفاعِلًا مَعًا، فَما سِوى الواحِدِ الأحَدِ الحَقِّ لا تَأْثِيرَ لَهُ في الإيجادِ والتَّكْوِينِ، فالمُمْكِنُ المُحْدِثُ لا يَلِيقُ بِهِ أنْ يَكُونَ مَعْبُودًا لِغَيْرِهِ، بَلِ المَعْبُودُ الحَقُّ لَيْسَ إلّا المُوجِدَ الحَقَّ، وذَلِكَ لَيْسَ إلّا المَوْجُودَ الحَقَّ الَّذِي هو واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، فَبَراءَةُ المَعْبُودِ مِنَ العابِدِينَ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ ما ذَكَرْناهُ، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”الحَشْرُ“ الجَمْعُ مِن كُلِّ جانِبٍ إلى مَوْقِفٍ واحِدٍ، و﴿جَمِيعًا﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ، أيْ: نَحْشُرُ الكُلَّ حالَ اجْتِماعِهِمْ. و﴿مَكانَكُمْ﴾ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ الزَمُوا، والتَّقْدِيرُ: الزَمُوا مَكانَكم و”أنْتُمْ“ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ، ﴿وشُرَكاؤُكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَكانَكُمْ﴾ كَلِمَةٌ مُخْتَصَّةٌ بِالتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، والمُرادُ أنَّهُ تَعالى يَقُولُ لِلْعابِدِينَ والمَعْبُودِينَ: مَكانَكم، أيِ: الزَمُوا مَكانَكم حَتّى تُسْألُوا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾[الصافات: ٢٢]
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ جاءَتْ عَلى لَفْظِ المُضِيِّ بَعْدَ